منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، لم تعد خطوط الغاز مجرد مشاريع اقتصادية مرتبطة بالطاقة، بل تحوّلت إلى أدوات نفوذ وصراع تعيد رسم موازين القوى العالمية. وفي قلب هذا التحول، عاد مشروع خط الأنابيب الروسي العملاق نحو الصين “Power of Siberia 2” إلى الواجهة، بعد سنوات من التعثر والمفاوضات المعقدة بين موسكو وبكين.
فالمشروع الذي بدأ كخطة روسية للتوسع شرقاً، أصبح اليوم جزءاً من مواجهة اقتصادية وجيوسياسية أوسع بين الشرق والغرب، في ظل العقوبات الغربية على روسيا، واضطراب أسواق الطاقة العالمية، وتصاعد التنافس الأميركي ـ الصيني. وبين حاجة موسكو إلى تعويض خسارتها للسوق الأوروبية، وسعي بكين إلى تأمين طاقة مستقرة بعيدة عن التهديدات البحرية، يطرح إحياء هذا المشروع أسئلة تتجاوز الغاز والطاقة، لتصل إلى مستقبل التحالفات الدولية والنظام الاقتصادي العالمي الجديد.
من أوروبا إلى آسيا… كيف بدأت الفكرة؟
بدأ مشروع خط الغاز الروسي نحو الصين كجزء من التحول الاستراتيجي الروسي نحو آسيا، لكنه تحوّل مع الوقت إلى أحد أكثر مشاريع الطاقة تعقيداً وحساسية في العالم، بسبب تداخل السياسة بالطاقة والاقتصاد والجغرافيا.
منذ أوائل الألفينيات، بدأت روسيا تدرك أنها تعتمد بشكل كبير على السوق الأوروبية لتصدير الغاز، خصوصاً عبر شركة Gazprom. وكانت أوروبا تستورد الجزء الأكبر من الغاز الروسي، ما جعل موسكو مرتبطة اقتصادياً بالقارة الأوروبية بشكل عميق.
في المقابل، كانت الصين تشهد نمواً اقتصادياً هائلاً وارتفاعاً كبيراً في الطلب على الطاقة، وخصوصاً الغاز الطبيعي، بسبب توسع الصناعة، وزيادة المدن الضخمة، ومحاولة تقليل الاعتماد على الفحم الملوث. وهنا بدأت فكرة ربط الغاز الروسي بالسوق الصينية عبر خطوط أنابيب مباشرة.
“صفقة القرن” وانطلاق المشروع
“في العام 2014 تم توقيع اتفاق ضخم بين الصين وروسيا خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين، وجاء هذا التوقيع بعد سنوات من المفاوضات المباشرة بين Gazprom وChina National Petroleum Corporation “. وتشير المصادر إلى أنه “في حينها وُصف الاتفاق بأنه صفقة القرن في مجال الطاقة”.
أطلقت روسيا بعدها مشروع Power of Sibera ، وهو أول خط ضخم لنقل الغاز الروسي إلى الصين، ويقوم هذا الخط بنقل الغاز من حقول شرق سيبيريا إلى شمال شرق الصين. وتكمن أهميته، بحسب المصادر، في كونه: فتح السوق الصينية أمام روسيا لأول مرة بحجم كبير، منح الصين مصدراً برياً آمناً للطاقة، عزز الشراكة السياسية بين البلدين وقد بدأ تشغيل الخط رسمياً أواخر العام 2019″.
Power of Siberia 2 المشروع الأهم…
بعد نجاح الخط الأول، بدأت موسكو تدفع نحو مشروع أكبر وأكثر أهمية وهو Power of Siberia 2. وتشرح المصادر أن “هذا المشروع مختلف عن الأول لأنه يعتمد على غاز غرب سيبيريا، وهي نفس الحقول التي كانت تغذي أوروبا لعقود، أي أن روسيا كانت تريد تحويل الغاز الذي كان يذهب إلى أوروبا نحو الصين، وهذا كان تحولاً استراتيجياً ضخماً”.
وتتابع: “تطور المشروع ما بين عامي 2020 و2021، وقد بدأت الدراسات التقنية والتفاوض مع الصين ومنغوليا لأن الخط سيمر عبر أراضيها، وقد أعلنت الأخيرة دعمها للمشروع”.
لكن المشهد تبدّل بالكامل بعد اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، والتي شكلت نقطة تحوّل كبرى بعدما فرض الغرب عقوبات واسعة على روسيا، وبدأت أوروبا تخفف اعتمادها على الغاز الروسي. وهنا لم يعد Power of Siberia 2 مجرد مشروع اقتصادي بالنسبة لموسكو، بل تحوّل إلى مشروع إنقاذ استراتيجي للاقتصاد والطاقة الروسيين.
لماذا تعثّر المشروع؟
“رغم الحاجة الروسية الملحّة، فإن الصين لم توافق سريعاً”. هذا ما أكدته المصادر، لافتة إلى أن “الأسباب متعددة، أبرزها أن الصين تريد أسعاراً منخفضة جداً، بينما كانت روسيا تريد تعويض خسائرها الأوروبية”.
ومع الوقت، أصبحت بكين في موقع أقوى تفاوضياً لأنها تدرك أن موسكو تحتاج إليها أكثر، خصوصاً بعد تراجع السوق الأوروبية أمام روسيا. وتضيف المصادر أن “الصين فضلت تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد الكامل على روسيا، إضافة إلى الاستفادة من المنافسة بين الموردين، وهذا سبب أساسي دفعها إلى إبقاء المفاوضات بطيئة. كذلك لعبت المخاطر الاقتصادية دوراً مهماً، فالمشروع يحتاج الى استثمارات ضخمة، بنية تحتية هائلة، سنوات طويلة من العمل وذلك في وقت تواجه فيه روسيا عقوبات غربية واسعة، صعوبات بالتمويل، ضغوطاً اقتصادية متزايدة”.
لماذا عاد الحديث عن المشروع اليوم؟
خلال عامي 2023 و2024 حاولت موسكو تسريع الاتفاق النهائي، خصوصاً مع تراجع صادراتها إلى أوروبا، لكن الصين استمرت بالحذر ولم تعطِ الضوء الأخضر الكامل.
وتؤكد المصادر أن للمشروع أهمية قصوى، إذ تصل طاقته المتوقعة إلى حدود 50 مليار متر مكعب سنوياً، ويهدف إلى تعويض جزء كبير من الغاز الذي خسرته روسيا في أوروبا بعد الحرب الأوكرانية.
كما أن المشروع، بحسب المصادر، “يعزز التحالف الاستراتيجي بين موسكو وبكين، ويمنح الصين إمدادات غاز ضخمة عبر البر بعيداً عن الطرق البحرية الحساسة”، لافتة الى أن ” أسباب إعادة إحياء الحديث عنه اليوم فتعود إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، تصاعد الحرب الاقتصادية بين الغرب والصين، استمرار العقوبات على روسيا، خوف بكين من أي حصار بحري أميركي مستقبلي، محاولة موسكو إيجاد بديل دائم عن أوروبا”.
ماذا تريد روسيا؟
تشير المصادر إلى أن “إحياء المشروع يعني بالنسبة لروسيا إنقاذاً استراتيجياً، خصوصاً أن موسكو خسرت جزءاً كبيراً من سوق الغاز الأوروبي بعد الحرب الأوكرانية، وهي تحتاج إلى سوق ضخمة كالصين”، مضيفة: “كما أن المشروع يشكل رسالة سياسية بأن روسيا ما زالت قادرة على بناء تحالفات اقتصادية كبرى رغم العقوبات، محاولة لتحويل مركز الطاقة العالمي شرقاً، نقلاً لثقل الاقتصاد الروسي من أوروبا إلى آسيا”.
ماذا تريد الصين؟
في المقابل، تؤكد المصادر أن “الصين تنظر إلى المشروع من زاوية أمن الطاقة، لأنها تخشى أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة الأميركية قد تهدد مضيق ملقا وطرق الشحن البحرية وواردات النفط والغاز. لذلك، فإن نقل الغاز عبر الأنابيب البرية يُعد أكثر أماناً استراتيجياً بالنسبة لبكين”. مضيفة: “كذلك تستفيد الصين من الحصول على طاقة بأسعار منخفضة، ضعف الموقف التفاوضي الروسي الحالي، بناء شبكة اقتصادية آسيوية أقل اعتماداً على الغرب والدولار”.
هل يتغيّر مركز الطاقة العالمي؟
في النهاية، لا يبدو مشروع Power of Siberia 2 مجرد خط أنابيب لنقل الغاز بين روسيا والصين، بل عنواناً لتحول عالمي أكبر يعيد رسم خريطة النفوذ والطاقة في العالم.
فروسيا تحاول عبره الهروب من العزلة الغربية وتعويض خسائرها الأوروبية، بينما تسعى الصين إلى بناء أمن طاقوي طويل الأمد وتقليل اعتمادها على الطرق البحرية والدولار والأسواق الغربية.
وبين المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية، يتحول المشروع إلى اختبار حقيقي لمستقبل التحالف الروسي ـ الصيني، ولمدى قدرة الشرق على بناء محور اقتصادي جديد في مواجهة الغرب.
ومع استمرار التوترات الدولية والحروب الاقتصادية، قد لا يكون السؤال اليوم ما إذا كان المشروع سيُنفذ فقط، بل ما إذا كان العالم يدخل فعلاً مرحلة جديدة تُنقل فيها مراكز الطاقة والنفوذ من أوروبا إلى آسيا.



