الرئيسية اقتصاد دولی حرب إيران تُسرع سباق النفوذ على المعادن الإستراتيجية

حرب إيران تُسرع سباق النفوذ على المعادن الإستراتيجية

أدى تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في إيران إلى إحداث اضطراب واسع في أسواق المعادن الإستراتيجية والنادرة، في وقت تتزايد فيه أهمية هذه الموارد في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية والطاقة المتقدمة.

ومع اتساع رقعة عدم اليقين الجيوسياسي، بدأت القوى الاقتصادية الكبرى بإعادة تقييم سلاسل الإمداد الخاصة بها، سعياً لتأمين مصادر بديلة وتقليل الاعتماد على المناطق عالية المخاطر.

وفي ظل هذا المشهد المتقلب، تتسارع خطوات إعادة تشكيل خارطة النفوذ العالمي في قطاع المعادن، إذ باتت السيطرة على الموارد الحيوية عاملاً حاسماً في ميزان القوة الاقتصادية والإستراتيجية بين الدول.

وأحدثت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران اضطراباً في هذه السوق، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وتهديد العديد من الصناعات المرتبطة بها.

ومنذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير الماضي، ارتفعت أسعار المعادن الإستراتيجية خاصة المستخدمة في الصناعات الدفاعية بنسب متفاوتة، مثل التنغستن والجرمانيوم والغرافيت، إضافة إلى الكوبالت والليثيوم واللانثانوم.

وكان ذلك مدفوعا بانخفاض المخزونات وارتفاع الطلب على الصواريخ والأنظمة العسكرية، مثل توماهوك وباتريوت، إلى جانب صناعة المقاتلات.

وقال الخبير الاقتصادي سامي أمين لوكالة الأناضول إن ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتفاع عابر في أسعار المعادن النادرة والإستراتيجية، بل هو بداية انتقال العالم من “اقتصاد الطاقة إلى اقتصاد المعادن الإستراتيجية”.

وتشمل المعادن الإستراتيجية طيفاً واسعاً من المعادن المستخدمة في الصناعات العسكرية والتكنولوجية والطاقة، مثل التيتانيوم والتنغستن والكروم والكوبالت، وهي مهمة للاقتصاد والأمن القومي والصناعات الحيوية بشقيها المدني والعسكري.

أما المعادن النادرة فهي فئة محددة تضم 17 عنصراً كيميائياً تستخدم في الصناعات المتقدمة، ومن أبرزها النيوديميوم والديسبروسيوم واللانثانوم، والتي تدخل في صناعة الرادارات والصواريخ والطائرات المقاتلة والسيارات الكهربائية والمغناطيسات فائقة القوة.

واعتبر أمين أن الحرب على إيران كشفت أن القرن الحادي والعشرين لا يدار فقط بالنفط والغاز، بل أيضاً بالمعادن الإستراتيجية.

وأوضح أن “الحروب الحديثة أصبحت تستهلك معادن إستراتيجية تدخل في الصناعات العسكرية والتكنولوجية أكثر مما تستهلك من الوقود التقليدي”.

سباق دولي

يعتقد خبراء أن التوترات في الشرق الأوسط رفعت الطلب بشكل فجائي على الصناعات العسكرية، فيما تعتمد هذه الصناعات بشكل أساسي على المعادن النادرة.

ويشير أمين إلى أن الحرب على إيران أدت إلى “صدمتين متزامنتين”، تتمثل الأولى في صدمة الطلب العسكري حيث استهلكت الولايات المتحدة وحلفاءها كميات ضخمة من المعدات وأنظمة الدفاع الجوي.

وتابع “هذا يعني نقصاً في المخزونات، مما سيضاعف الطلب على المعادن الإستراتيجية”.

أما الصدمة الثانية فتتمثل في صدمة المخزون الاستراتيجي، إذ بدأت الدول اليوم تتجه نحو مرحلة التخزين الدفاعي للمعادن، بدلاً من الاقتصار على شرائها من السوق الدولية، وسط تناقص المخزونات في هذه الأسواق.

أسعار المعادن الإستراتيجية خاصة المستخدمة في الصناعات الدفاعية بنسب متفاوتة مثل التنغستن والجرمانيوم والغرافيت والكوبالت والليثيوم واللانثانوم ارتفعت بشكل لافت

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي، في ظل هذه التطورات، بدأ فعلياً التفكير في مخزونات للمعادن الإستراتيجية لتقليل التبعية للصين، التي تهيمن على جزء كبير من عمليات تعدين وتكرير هذه المعادن عالمياً.

وخلال الأشهر الأخيرة، أعلن التكتل عن عدة إجراءات تهدف إلى تقليل الاعتماد على الصين في المعادن النادرة والمواد الخام الحيوية، في ضوء تقييد بكين صادرات المعادن النادرة ومواد البطاريات.

وفي أكتوبر الماضي، أعلنت وزارة التجارة الصينية فرض قيود جديدة على صادرات المعادن النادرة، أو نقل معدات أو معلومات تتعلق بإنتاجها أو معالجتها، وذلك لـ”دواعٍ تتعلق بالأمن القومي”.

وتنص القيود الجديدة على حصول المصدرين للمعادن النادرة على “ترخيص تصدير” من الوزارة الصينية المعنية.

تشكيل خارطة المعادن

من شأن الحرب على إيران إعادة تشكيل خارطة المعادن النادرة والإستراتيجية “بشكل جذري،” حيث يرى أمين أن العالم يتجه نحو إعادة هندسة كاملة لسلاسل القيمة المعدنية العالمية.

وقال إن “هناك انتقالاً إلى القومية المعدنية”، فالدول باتت تتعامل مع هذه المعادن كـ”مواد وصناعات سيادية”.

وأشار إلى أن هذه المعادن تحولت إلى أداة “ردع جيوسياسي”، على غرار ما كان عليه النفط في سبعينيات القرن الماضي حيث تم التعامل معه كـ”سلاح”. ووصف المعادن النادرة بأنها باتت “سلاح القرن الحالي”.

وبحسب أمين، فإن الصراع العالمي انتقل من الطاقة إلى المعادن، مضيفاً أن الحرب على إيران كشفت أن المعادن أصبحت “النفط الجديد للصناعات الدفاعية”.

معالجة المعادن

وتشير بعض الدراسات إلى أن تصنيع صاروخ واحد يتطلب عدداً من هذه المعادن، وهذا ما تتطلبه كذلك الصناعات العسكرية.

وعلى سبيل المثال يستخدم التيتانيوم في الصواريخ والأسلحة التي تحتاج إلى قوة عالية وأوزان أقل، والمغنيسيوم في السبائك الخفيفة، والكروم في الطلاء ومختلف تقنيات الحماية، والتنغستن في بعض المكونات والتطبيقات العسكرية بهدف تحمل الضغوط والحرارة المرتفعة.

قوة الصين

فهمت الصين مبكراً أن السيطرة على المعادن ليست في السيطرة على المناجم فحسب، بل في التكرير والفصل الكيميائي وتصنيع المغناطيسات والتكنولوجيا الصناعية المرتبطة بها.

وتعتمد الصناعات العسكرية الحديثة على مغناطيسات فائقة القوة تُصنع من بعض المعادن النادرة، مثل النيوديميوم والديسبروسيوم.

70 في المئة من عمليات التعدين العالمي لبعض المعادن تسيطر عليها الصين، إلى جانب أكثر من 90 في المئة من عمليات التكرير والمغناطيسات الأرضية النادرة

وتستخدم هذه المعادن في أنظمة توجيه الصواريخ والرادارات والطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة إضافة إلى السيارات الكهربائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما جعل السيطرة على إنتاجها جزءاً أساسياً من الصراع الصناعي والجيوسياسي العالمي.

وقال أمين “لهذا تسيطر بكين على حوالي 70 في المئة من التعدين العالمي لبعض المعادن، وأكثر من 90 في المئة من عمليات التكرير والمغناطيسات الأرضية النادرة”.

وفيما يتعلق بمدى مساهمة قيود الصين في إرباك الصناعات الدفاعية، فإنها لم تستخدم حظراً كاملاً، بل استخدمت ما يمكن تسميته بالتحكم البيروقراطي الانتقائي.

وقد اعتمدت السلطات الصينية تراخيص بطيئة وموافقات متأخرة وشحنات جزئية، فضلاً عن غموض تنظيمي، مما خلق حالة من القلق الاستراتيجي لسلاسل الإمداد.

ونتج عن هذه الإجراءات تضرر عدة صناعات، منها الدفاع والطيران، وأشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية، والروبوتات والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات.

ولفت أمين إلى أن العالم “لم يعد يعيش صراع الطاقة فقط، بل دخل فعلياً إلى مرحلة صراع المعادن الإستراتيجية وسلاسل الإمداد الصناعية”.

وأوضح أن الدول التي تسيطر على العناصر المرتبطة بالمغناطيسات والكيمياء المعدنية والتكنولوجيا الاستخراجية للمعادن الإستراتيجية، “ستمتلك مفاتيح القوة الصناعية والعسكرية للعقود القادمة”.

وختم بالتأكيد على أن القوة العسكرية الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم الصناعات العسكرية، بل بقدرة الدولة على إعادة تصنيعها بسرعة تحت الضغط الجيوسياسي.

 

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةهواوي تتحدى القيود الأميركية في ابتكار الرقائق المتقدمة
المقالة القادمةالدواء في مرمى النار: الحرب تطيح بمئات الصيدليات