الرئيسية اقتصاد دولی التفوق الصيني يربك أوروبا ويعمّق أزمة الميزان التجاري

التفوق الصيني يربك أوروبا ويعمّق أزمة الميزان التجاري

يرى خبراء أن القارة العجوز تقف أمام معضلة حقيقية لاحتواء التفوق الصناعي الصيني، لاسيما في قطاع السيارات الكهربائية والتكنولوجيا، في وقت تفتقر فيه أوروبا لبدائل تجارية بعد خسارتها لإمدادات الطاقة والمواد الأولية من روسيا جراء الصراع العسكري.

ورغم دعوات المفوضية الأوروبية للتحرك بحزم لحماية صناعاتها الحيوية، إلا أن الخيارات تبدو محدودة، حيث ردت بكين بفرض رسوم وقيود على قطاعات أوروبية تقليدية كمنتجات الألبان؛ ما يقلص فرص التكتل يومياً في تصحيح هذا الخلل الاقتصادي الحرج.

توتر متصاعد

ويواجه الاتحاد الأوروبي بحسب مراقبين لـ”إرم نيوز” تحديات الانتقال من الاعتماد الاقتصادي على الصين إلى سياسة احتوائها، فضلا عن أن فرص ضبطه الخلل الاقتصادي أمام بكين، تقل يوم عن آخر؛ ما يجعل وضعه سيئا للغاية.

وتقول الخبيرة في الشؤون الصينية، الدكتورة تمارا برو، إن العلاقات بين الصين والاتحاد الاوروبي، تشهد حالة من التوتر المتصاعد حيث يبتعد الأخير عن الشراكة الاستراتيجية التقليدية نحو سياسات أكثر حزما بالسعي لتقليل المخاطر دون الوصول للفصل الكامل بالمعنى الحرفي.

وأوضحت برو لـ”إرم نيوز” أن الاتحاد الأوروبي يهدف إلى النزول بالاعتماد المفرط على الصين في سلاسل التوريد الحيوية مع الحفاظ على قناة الحوار والتعاون في وقت أعلنت فيه بكين عدم الوقوف مكتوفة الأيدي دفاعا عن شركاتها ضد أي قيود تفرضها دول التكتل.

وفرضت الصين رسوما جمركية وقيودا تجارية على عدة صناعات أوروبية، أبرزها في قطاع منتجات الألبان، وذلك ردا على تحقيقات الإغراق التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لحماية صناعاته المحلية لاسيما السيارات الكهربائية الصينية والألواح الشمسية وتوربينات الهواء.

بروكسل وتحدي بكين

ويرى الاتحاد الأوروبي وفق برو، أن الصين تقوم بممارسات تجارية غير عادلة بتقديم الدعم لشركاتها؛ ما يجعلهم يقدمون سلعهم لدول القارة العجوز بأسعار رخيصة مقارنة بمنتجات الأخيرة.

وأوضحت برو أن التوترات المتصاعدة تهيمن على العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن الاجتماعات المكثفة والزيارات المتبادلة بين مسؤولي الجانبين لم تنجح في إيجاد صيغة لتهدئة الخلافات.

وأضافت أن المفاوضات شهدت مقترحات لخفض الرسوم الجمركية الأوروبية على السيارات الكهربائية الصينية مقابل فتح بكين أسواقها أمام الشركات الأوروبية، إلا أن بروكسل اتجهت نحو اتخاذ قرار حازم بتقليل الاعتماد الاقتصادي على العملاق الآسيوي.

وأكدت الخبيرة في الشؤون الصينية أن دول القارة العجوز لا تمتلك القدرة على تحقيق انفصال كامل عن الصين لما يترتب على ذلك من خسائر اقتصادية فادحة، لافتة إلى أن الاستراتيجية الأوروبية الحالية تركز فقط على تقليل المخاطر وتقليص الاعتماد المتبادل، دون الوصول إلى قطيعة تامة.

خلل جوهري

ومن برلين، يؤكد أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور عبد المسيح الشامي، أن هذا العجز التجاري الأوروبي لصالح الصين، نابع من خلل جوهري عضوي والبنية الاقتصادية لدول التكتل أو بمعنى آخر، تراجع القوة الاقتصادية لهذا الكيان من حيث الحجم والفعالية والقدرة المالية.

وأكد الشامي لـ”إرم نيوز” أن ضبط الميزان التجاري بين الطرفين بات أمراً شديد الصعوبة في ظل عجز أوروبي متنامٍ وتراجع اقتصادي حاد، حيث فقدت دول القارة العجوز قدرتها على منافسة الصين في مختلف القطاعات، بما في ذلك التكنولوجيا عالية الجودة التي كانت أوروبا تتفوق فيها تاريخياً.

وأوضح أن بكين أصبحت تنتج اليوم تكنولوجيا متطورة وعلى أعلى مستوى في العديد من الصناعات بفارق شاسع عن الأوروبيين، مستفيدة من مهارة اليد العاملة وانخفاض تكلفتها؛ ما أفقد دول التكتل القدرة على التحكم في لغة السوق والأسعار.

وتتجلى هذه الهيمنة في قطاع الصناعات التكنولوجية “الدقيقة” التي تسيطر بها الصين على الأسواق العالمية والأوروبية، فضلاً عن اجتياح سياراتها الكهربائية لأوروبا بمواصفات تفوق المنتج الأوروبي في كثير من الأحيان.

عوائق المنافسة

واعتبر الشامي أن هذا التراجع في القوة الاقتصادية، بالتوازي مع الأزمات والعجز المالي الذي تعاني منه أوروبا، يشكل عائقاً كاملاً أمام قدرتها على منافسة الصين أو كبح عجز الميزان التجاري.

وأضاف أن فكرة “احتواء الصين” تبدو بعيدة تماماً عن القدرات الأوروبية الحالية، ولا يمكن للتكتل تحقيقها حتى بالتعاون مع الولايات المتحدة، لاسيما في ظل انعدام الهوامش والبدائل الاقتصادية المتاحة لبروكسل لضبط علاقتها مع بكين.

وفسّر الشامي هذا الانسداد اللوجستي بأن علاقة أوروبا مع روسيا، التي كانت تمد القارة بكافة مقومات الإنتاج من مواد أولية ومصادر طاقة، تحولت إلى حرب استنزاف مستمرة، بالتزامن مع دخول التكتل في صدامات اقتصادية وسياسية واستراتيجية متعددة مع الولايات المتحدة.

وخلص في ختام حديثه إلى أن فرص أوروبا في معالجة الخلل الاقتصادي أمام الصين تتضاءل يوماً بعد يوم؛ ما يضع القارة في موقف سيئ للغاية.

مصدرالديار
المادة السابقةفورين بوليسي: أزمة الطاقة ستستمر حتى العام المقبل رغم أي اتفاق محتمل
المقالة القادمةتقرير: العالم يتجه نحو نظام نقدي متعدد العملات وتراجع هيمنة الدولار