عندما هدأ ضجيج الحرب في الضاحية الجنوبية لبيروت، لاحت في الأفق أزمة سكنية، غير مرتبطة بالمباني المُهدّمة أو المتضرّرة، بل بعقود إيجارات سكنية مستمرة خلال العدوان. وبرزت الإشكالية الآتية: هل يتوجّب على المستأجر دفع بدل إيجار منزل موجود مادياً، لكنه لا ينتفع منه فعلياً، بسبب الحرب والتهجير القسري؟ وهي إشكالية «حساسة وشائكة»، برأي رجال القانون والدين، مع غياب الحسم في الحكم، وتضارب الآراء الفقهية، وتعدّد النصوص القانونية التي تناولت هذه المسألة، مع شبه إجماع على مظلومية كلا الطرفين: المالك والمستأجر.
وما زاد الطين بلّة، هو طول أمد الحرب ودخولها في الشهر الرابع، ونفاد صبر المالكين على تخلّف المستأجر عن الدفع، من جهة، والمراوحة بين حالة اللاحرب واللاسلم في الضاحية، بعد الإعلان عن هدنة «مهزوزة» في 17 نيسان الماضي من جهة ثانية، وما نتج منها من خلاف على تحقّق المنفعة من المأجور، وبالتالي توجب دفع الإيجار، بين رأي يقرّ بتوفّر ظروف العودة إلى الضاحية أسوة بآخرين قد عادوا، ورأي آخر يقرّ باستحالتها حتى تثبيت وقف إطلاق النار.
لم تفضِ جميع الحالات إلى نزاعات بين طرفي العقد، وغلّب كثيرون العامل الإنساني على المنفعة المادية في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشونها. في بعض الحالات، سدّد المستأجر بدلات الإيجار بشكل طبيعي رغم إخلاء المنزل، «من واجب أخلاقي»، كما تقول يارا، لأن «صاحب البيت يعتاش من إيجار المنزل ويغطي من خلاله جزءاً مهماً من نفقاته الشهرية». وفي حالات أخرى، بادر المالك إلى مسامحة المستأجر عن دفع الإيجار، هكذا فعلت سلمى، فرغم عودة المستأجر إلى منزله في حارة حريك قبل أسبوع، لم تطالبه سلمى بالإيجار عن الأشهر الأربعة السابقة، وقرّرت أن تطلب الإيجار بدءاً من الشهر المقبل.
وتوصّل الطرفان، في حالات كثيرة، إلى حلول وسطية ترضيهما، مثل تقسيط الدفع، أو دفع نصف البدل المُتفق عليه، أو الإعفاء الجزئي عن أول شهرين من الحرب فقط. أبو حسين، صاحب شقة في حي السلم، مثلاً، اتفق مع المستأجر على الخيار الأخير، مبرّراً «صحيح أن المستأجر يتكبّد تكاليف الإيجار في مكان النزوح، لكنني أيضا نازح وأسدّد بدل إيجار مثله، ولم يعفني صاحب موقف السيارة ولا مولّد الكهرباء في مكان سكني الأساسي في الضاحية من الفواتير الشهرية، رغم عدم الانتفاع من خدماتهما بسبب التهجير القسري، فلماذا أسامح أنا المستأجر؟».
وتبقى هناك حالات يتشبّث فيها كل طرف بموقفه. لا يرضى المستأجر أن يدفع أي بدل عن الأشهر التي لم يسكن فيها في البيت، لأسباب خارجة عن إرادته. ولا يقبل المالك، من جهته، بأي إعفاءات أو تخفضيات في الإيجار، كون المستأجر برأيه «ملتزماً بعقد إيجار نافذ سواء سكن في المأجور، أم لم يسكن، ويضع أثاثه فيه». إضافة إلى أن العديد من المالكين يعتمدون على بدلات الإيجار كمصدر رزق أساسي وربما الوحيد، خصوصاً بعدما تعطّلت أعمالهم بفعل الحرب وإقفال المؤسسات.
ما رأي القانون؟
تتباين آراء القضاة حول استحقاق الدفع بعد انقطاع المستأجر عن إشغال المأجور لظروف قاهرة، بسبب تعدّد النصوص القانونية التي تناولت المسألة، وعدم وضوحها، وتضاربها في بعض الأحيان. رئيسة «الهيئة اللبنانية للعقارات»، المحامية أنديرا الزهيري، تجد أن «صاحب الملك لا يستحق بدل الإيجار، إلا إذا بقي المستأجر يستفيد من المأجور رغم الظروف الأمنية»، مستندة بذلك إلى المادتين 341 و342 من قانون الموجبات والعقود اللتين تسقطان الموجب أو الالتزام «إذا أصبح موضوعه مستحيلاً من الناحية الطبيعية أو القانونية، مع ضروة إثبات القوة القاهرة كسبب مشروط لإعفاء المدين من الالتزام».
وللقضية وجه قانوني آخر، بحسب دراسة قانونية أعدّها المحامي سميح بركات حول مدى تأثير القوة القاهرة الناتجة من الحرب على استحقاق بدلات الإيجار.
وتشير الدراسة إلى المادة 343 من قانون الموجبات والعقود التي تنص على «عدم براءة ذمة المديون من أجل القوة القاهرة إلّا بقدر استحالة التنفيذ، فيمكن إذاً أن لا يكون سقوط الموجب إلّا جزئياً». وهذه المادة الفضفاضة تطرح، بحسب الدراسة الإشكالية الآتية: «هل جزئية سقوط الموجب عن فترة حرمان المستأجر من الانتفاع أم المقصود حسم جزء من بدل الإيجار ودفع جزء آخر»؟ بالتوازي، تنص المادة 558 من القانون نفسه على أنه في حالات حرمان المستأجر من الانتفاع بالمأجور «يجوز له أن يطلب فسخ العقد أو تخفيضاً نسبياً في البدل»، من دون أن يوضح القانون نسبة التخفيض.
وفي السياق نفسه، تشير الدراسة إلى «اصطدم مبدأ تخفيض البدل بمبدأ قانوني أساسي هو العدالة والإنصاف، فالمستأجر سيضطر إلى استئجار مسكن آخر في منطقة آمنة، وليس من العدل دفع بدلَيْ إيجار. كذلك يصطدم بمبدأ أن القوّة القاهرة تعلّق تنفيذ العقد، فكيف يتوجب على المستأجر دفع نسبة من بدل الإيجار بهذه الحالة؟». وإذا كان لا بد من دفع نسبة، «فإن هذه النسبة يجب أن تكون، قليلة جداً لأن المتعارف عليه أن المؤجّر المالك أكثر ملاءةً من المستأجر، ومن العدل والإنصاف أن يتحمّل العبء الأكبر من آثار القوة القاهرة».
وتبقى القضية أوسع بكثير من الإيجارات السكنية، لتشمل أيضاً إيجار المحالّ التجارية والمؤسسات التي أُقفلت قسراً بسبب الحرب، ليس في الضاحية الجنوبية فقط، بل في الجنوب والبقاع أيضاً.
يلجأ المالكون والمستأجرون إلى رجال الدين في كثير من الأحيان للبتّ في الخلاف حول استحقاق بدلات الإيجار أثناء الحرب، و«تتعدّد الآراء الفقهية حيال هذه الإشكالية، وكلّ مكلّف يعود إلى رأي مرجعه الديني»، بحسب السيد علي حجازي. إلا أن «أغلب الفقهاء يميلون إلى الدعوة للمصالحة، وإيجاد حل عادل يرضي الطرفين، مثل دفع نسبة من الإيجار، قد تكون النصف أو الثلث، أو الربع، بحسب كل حالة، وما يُتّفق عليه».



