في وقت يواجه فيه اللبنانيون أزمات معيشية متلاحقة وتراجعاً ملحوظاً في القدرة الشرائية، عاد ملف الرسوم والضرائب إلى الواجهة مع صدور المرسوم رقم 3214 المتعلق بتعديل الرسوم البيئية على المواد المنتجة للنفايات. وعلى الرغم من أن مجلس الوزراء قرر تعليق العمل به لإعادة دراسته، إلا أنه أثار جدلاً واسعاً بين من اعتبره خطوة تستند إلى مبادئ حماية البيئة وتحميل الملوِّث جزءاً من كلفة معالجة النفايات، وبين من رأى فيه ضريبة مقنّعة ستنعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات وتُضيف أعباء جديدة على المواطنين في مرحلة بالغة الحساسية.
ويستند المرسوم، بحسب أسبابه الموجبة، إلى مبدأ “الملوِّث يدفع” المنصوص عليه في قانون حماية البيئة، والذي يقضي بتحمّل المنتج أو المستورد جزءاً من كلفة إدارة النفايات الناتجة عن منتجاته، مما يُخفف الأعباء التي تتحملها الدولة في هذا الشأن. كما ينص على أن لمجلس الوزراء صلاحية تعديل قيمة الرسوم أو توسيع نطاق المنتجات الخاضعة لها عند الاقتضاء.
إلا أن تعليق العمل بالمرسوم جاء في أعقاب موجة واسعة من الاعتراضات، إذ رأى اقتصاديون وخبراء أن تطبيقه كان سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار يطال مختلف القطاعات، نظراً لاتساع لائحة السلع المشمولة به.
وفي هذا الإطار، يؤكد الكاتب والباحث الاقتصادي محمد شمس الدين أن المرسوم “يفرض رسوماً على معظم السلع، من الدواء إلى القهوة والشاي وسواها”، موضحاً أن الرسم قد يصل إلى نحو 3%، ومع احتساب ضريبة القيمة المضافة ترتفع الأسعار بنسبة تتراوح بين 6 و7% كحدٍّ أدنى. ويرى شمس الدين أن الهدف الأساسي من هذه الرسوم هو “تأمين موارد إضافية للصندوق البلدي المستقل لتمويل كلفة إدارة النفايات”، إلا أن ذلك سيكون على حساب المستهلك الذي سيتحمل الفاتورة النهائية.
من جهته، يحذر ممثل موزعي المحروقات جورج البراكس من أن المرسوم، لو دخل حيز التنفيذ، لما اقتصر أثره على قطاع محدد، بل كان سيمتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد الوطني، مفضياً إلى موجة ارتفاع واسعة في الأسعار وتآكل إضافي في القدرة الشرائية للمواطنين. ويلفت إلى أن قطاع المحروقات كان من أكثر القطاعات عرضة للتأثر، إذ كان سيُضاف إلى الزيادة السابقة التي بلغت نحو 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين.
ويشرح البراكس أن انخفاض أسعار النفط عالمياً لا ينعكس فوراً على السوق اللبنانية، بل يظهر تدريجياً. وقد بدأت أسعار المحروقات بالتراجع منذ منتصف نيسان مع تراجع سعر برميل النفط، وكان يُرجَّح أن يتواصل هذا المنحى خلال الأشهر المقبلة، إلا أن الرسوم الجديدة كانت ستلتهم جزءاً كبيراً من هذا المكسب. ويضيف أن صفيحة البنزين، التي كان يُفترض أن تنخفض بمقدار يتراوح بين 35 و40 ألف ليرة، لم تتراجع سوى بنحو 10 آلاف ليرة بفعل الرسوم التي فرضها المرسوم.
ويطرح الجدل الذي أثاره المرسوم المشؤوم تساؤلات أشمل حول كيفية تمويل إدارة النفايات في لبنان: هل يكمن الحل في فرض رسوم جديدة على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، أم في اعتماد إصلاحات بنيوية تحدّ من الهدر وتُحسّن إدارة الأموال العامة وتُؤمّن موارد مستدامة من دون تحميل الاقتصاد أعباء إضافية؟
وبين ضرورات حماية البيئة وتأمين التمويل اللازم لإدارة النفايات من جهة، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن وصون استقراره المعيشي من جهة أخرى، يبقى التحدي الحقيقي في إيجاد توازن بين الاعتبارات البيئية ومتطلبات النمو الاقتصادي. فنجاح أي سياسة ضريبية لا يُقاس بأهدافها المالية أو البيئية وحدها، بل أيضاً بمدى عدالتها وشفافية إدارة إيراداتها وقدرتها على تحقيق الإصلاح من دون تحويل المواطن إلى الممول الدائم لعجز الدولة.



