خرج قرار مجلس شورى الدولة المتعلّق بملف مياومي هيئة «أوجيرو» من الأدراج بعد أكثر من خمسة أشهر على صدوره، ليعيد إلى الواجهة ملف توظيف نحو 500 عامل في الهيئة. فالقرار الصادر في 29 كانون الثاني 2026، والذي بقي بعيداً من التداول طوال هذه الفترة، ظهر فجأة، مُسرّباً وقبل إبلاغ المعنيين به، ليثير مخاوف المستخدمين من تحويله إلى مدخل للمساس بوظائفهم، ما دفع الكثيرين إلى المتاجرة بحقوقهم المُكتسبة. ولم يقتصر الأمر عند التحرّك الذي يقوم به الاتحاد العمالي العام.
فوزير الاتصالات شارل الحاج، عقد أمس سلسلة لقاءات شملت رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، كما اجتمع في مكتب رئيس ديوان المحاسبة مع وزير العمل محمد حيدر ورئيس الديوان القاضي محمد بدران، في محاولة لإيجاد معالجة قانونية للملف. وشدّد المجتمعون على أن العاملين في الهيئة «ليسوا مسؤولين عن أخطاء إدارية أو إجراءات لم يكونوا طرفاً في اتخاذها، ولا يجوز أن يدفعوا ثمنها»، مؤكّدين أن أي معالجة يجب أن تقوم على مبدأين متلازمين: احترام القانون، وحماية حقوق العاملين وضمان استمرارية المرفق العام.
إذاً، هل ستُقِرّ الحكومة بحقوق المياومين أم أنها ستقوم بالتهرّب من مسؤولياتها وتغضّ النظر عن وجودهم في العمل منذ أكثر من ثماني سنوات؟ الواقع، إن القرار الصادر تحت الرقم 240/ 2025 – 2026 لم يقض بصرفهم من العمل، ولم يتضمّن حكماً بإنهاء خدماتهم، بل جاء في إطار قبول المراجعة التمييزية المُقدّمة من المدّعي العام لدى ديوان المحاسبة لينقض جزئياً قرار ديوان المحاسبة الصادر عام 2021. فقد ورد في قرار مجلس شورى الدولة، أن ديوان المحاسبة أخطأ في تفسير عدد من المبادئ القانونية، فأعاد الملف إليه لإعادة النظر فيه وفق أسس مختلفة تقوم على أن الضغط الوظيفي أو ازدياد عدد المشتركين في الهيئة، لا يشكّلان مبرّراً لإجراء تعيينات خارج الأصول القانونية، وأن الحاجة إلى اليد العاملة، مهما بلغت، لا تعفي الإدارة من احترام النصوص القانونية والإجراءات التي تنظّم التوظيف في المؤسّسات العامة. كما رفض أن يتم الاستناد إلى انقضاء مهلة الشهرين للحؤول دون إجراء عمليات رقابة ديوان المحاسبة على الإنفاق العام، أي إن الأموال التي دُفعت كأجور لهؤلاء لا يمكن تبريرها بانقضاء مهلة الشهرين المنصوص عنها قانوناً، وبالتالي تصبح النفقة مخالِفة للقانون.
لكنّ سقطة مجلس شورى الدولة لا تتعلق بالشكليات القانونية، بل بمضمون ما يرتّبه قرار المجلس من تداعيات على المستخدمين في الهيئة. فهو بقراره يُسقِط «الحقوق المكتسبة» التي أقرّ بها ديوان المحاسبة واستند إليها للتعامل مع الملف. فالديوان اعتبر أن استمرار العامل في عمله أو تقاضيه راتباً لا يحوّل التوظيف المخالِف للقانون إلى توظيف مشروع، ولا يمنع إعادة النظر في مدى قانونية الإنفاق المترتّب عليه. وخلص قرار مجلس الشورى إلى وجوب تطبيق المادة 86 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة التي تفرض وقف صرف النفقة المخالِفة للقانون، موصياً الديوان بإصدار قرار جديد على هذا الأساس.
بمعزل عن الأهمية القانونية لقرار المجلس، إلا أنه يؤدّي عملياً إلى وقف رواتب المياومين ومنع الاعتراف بهم وفق قانون العمل. لكنه بشكل ما، أعاد الكرة إلى ملعب ديوان المحاسبة لتطبيق نظرية «النفقة المخالفة». وهو بهذا، يحصر الملف بالشق القانوني فقط المتعلّق بالنفقة، بينما الواقع أن الأمر يتعلّق بمصير أشخاص يعملون في الهيئة منذ نحو ثماني سنوات. فمعظم هؤلاء التحقوا بالعمل بين عامَي 2017 و2018، ومنذ ذلك الحين يؤدّون أعمالهم بصورة فعلية داخل «أوجيرو»، من دون أن يكونوا طرفاً في القرارات أو الإجراءات الإدارية التي أفضت إلى توظيفهم.
وترى مصادر نقابية مطّلعة أن تحميل المياومين وحدهم نتائج أي مخالفة، إن ثبتت، يشكّل ظلماً. وتشدّد المصادر على أن أي قرار قد يصدر لاحقاً لا يلغي الحقوق التي نشأت نتيجة سنوات من العمل الفعلي، ولا يسمح بالتعامل مع هؤلاء العاملين وكأنهم مجرّد «خطأ إداري» يمكن شطبه من دون أي تبعات. فهؤلاء مُسجّلون لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ويخضعون لأحكام قانون العمل، ما يعني أن أي حقوق ترتّبت لهم نتيجة سنوات الخدمة تبقى مسألة يحكمها القانون والسلطات القضائية المختصة، ولا يمكن اختزالها بمجرد توصيف التوظيف بأنه مُخالِف للأصول.
وبحسب المصادر نفسها، فإن هيئة «أوجيرو» لا تزال تعاني نقصاً في العديد من الاختصاصات، وهؤلاء العاملون يشكّلون جزءاً أساسياً من استمرارية العمل فيها. وتلفت إلى أن الهيئة نفسها استعانت بهم طوال السنوات الماضية لتأمين خدماتها، الأمر الذي يجعل التعامل معهم اليوم وكأنهم فائض عن الحاجة يتعارض مع الواقع التشغيلي للمؤسّسة. كما أن أي معالجة لا تراعي هذا الواقع لن تنعكس على العاملين وحدهم، بل قد تهدّد استمرارية مرفق الاتصالات، الذي يشكّل اليوم الركيزة الأساسية لقطاع الاتصالات في لبنان.
وفي الوقت نفسه، تحذّر المصادر من تحويل هذا الملف إلى ورقة ضغط في أي من الملفات الأخرى العالقة في القطاع، معتبرة أن حقوق العاملين يجب أن تبقى بمنأى عن التجاذبات السياسية والإدارية، وأن تتم معالجة أوضاعهم بمعزل عن أي خلاف آخر يطاول قطاع الاتصالات.
وكانت النقابة العامة للموظفين والمُستخدمين والعمال في قطاع الاتصالات قد أصدرت بياناً قبل أيام، دعت فيه الحكومة ومجلس النواب إلى إقرار معالجة عاجلة لأوضاع المياومين في هيئة «أوجيرو»، محذّرة من خطوات نقابية تصعيدية في حال استمرار التأخير.
وأكّدت أن المياومين التحقوا بالعمل استجابة لحاجة تشغيلية فعلية فرضتها متطلّبات استمرارية مرفق الاتصالات، وساهموا على مدى سنوات في الحفاظ على الشبكات وضمان استمرار الخدمات، ولا سيما في أصعب الظروف الأمنية والاقتصادية. كما شدّدت على أن العاملين لم يكونوا طرفاً في الآلية القانونية التي جرى توظيفهم بموجبها، وبالتالي لا يجوز تحميلهم وحدهم تبعات أي خلل إداري، مُطالِبة بمعالجة تشريعية وتنظيمية توازن بين احترام القانون وصون حقوق العاملين واستمرارية المرفق العام. واعتبرت أن «ما يجري لا يمكن فصله في حال من الأحوال عما تحضّر له أوجيرو، كونها مؤسّسة رائدة تخدم جميع فئات الشعب اللبناني».



