يحاول وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني مجدداً القفز فوق الهيئة العامة للطيران المدني (بمثابة الهيئة الناظمة لقطاع الطيران)، عبر الطلب من مجلس الوزراء اليوم في البند الأول من جدول الأعمال «الموافقة على منح تراخيص نقل جوي دولي منتظم في مطار رينيه معوض» في القليعات. بمعنى آخر، يطلب رسامني من مجلس الوزراء السماح له كوزير للأشغال العامة والنقل بإصدار تراخيص لشركات الطيران باستخدام مطار القليعات للذهاب إلى وجهة دولية أخرى غير محددة.
الطلب مثير للريبة، إذ غالباً ما تكون وجهات الذهاب والإياب محددة بموجب اتفاقات ثنائية بين الدولتين، أي لبنان ودولة أخرى، وبتوافق مسبق بينهما. فتراخيص النقل الجوي تعتمد معايير واحدة في كل دول العالم وتنجزها هيئات الطيران المدني وليس مجلس الوزراء أو الوزير المعني. وفي لبنان، يشير القانون الرقم 481 بوضوح إلى أن إبرام اتفاقيات النقل الجوي وإعطاء الأذونات لشركات الطيران من صلب مهام الهيئة. كما أنها الجهة الوحيدة المتخصّصة بذلك، بعد إلغاء المديرية العامة للطيران المدني، نتيجة إنشاء الهيئة. وبالتالي، حتى لو وافقت الحكومة على طلب رسامني، فهي ليست ذات اختصاص وتقتصر صلاحيتها على مراجعة اتفاقيات النقل الجوي، لا إعطاء التراخيص لها أو منح وزارة الأشغال العامة والنقل هذه الصلاحية.
لكن يبدو أن رسامني بات يبحث بأي ثمن عن وسيلة لـ«قرصنة» دور الهيئة العامة للطيران المدني. ويسعى عبر جلسة مجلس الوزراء التي تنعقد اليوم إلى قوننة المخالفة بجرّ الوزراء إلى الموافقة على طلبه بالإجماع، لمواجهة الهيئة به، علماً أن طلبه الموافقة على منح تراخيص نقل جوي بشكل عام من دون تحديد الوجهة الدولية، سيكون بمثابة شيك على بياض للوزير. وهو ما قد يفتح الباب أمام التجاوزات وتوريط لبنان في ملاحقات قانونية، في حال حدوث أي حوادث طيران.
يشار إلى أن رئيس مجلس إدارة شركة «Sky Lounges Services» المشغلة لمطار القليعات زياد المنلا يحتاج إلى استكمال مجموعة من التراخيص والمستندات والضمانات المطلوبة منه قبل البدء بالعمل، لكنه حتى الساعة لم يقدّم أياً منها إلى الهيئة. وبدلاً من إخضاعه للقانون، آثر رسامني تعليمه ألف باء «الطريقة اللبنانية» بالإدارة، والتي تقوم على تجاوز القنوات المؤسساتية والالتفاف عليها للحصول على المراد.
هذه ليست المرة الأولى التي يتعدّى فيها رسامني على صلاحيات الهيئة. فغداة تأسيس مؤسسة مطار بيروت الدولي بموجب قرار من مجلس الوزراء، أطلقت وزارة الأشغال العامة والنقل إعلاناً لتعيين رئيس المؤسسة، محددةً 7 تموز مهلة أخيرة لتقديم الطلبات. يومها، تجاهل رسامني الهيئة، في حين كان يفترض به التنسيق معها. فبحسب القانون، تتولى الهيئة مراقبة المؤسسة ووضع نظامها والترخيص لها كي تتمكن من مزاولة عملها.
إلّا أن رسامني تفرّد بوضع النظام ومنح نفسه صلاحية الحكم في حال نشوب أي خلاف بين الهيئة والمؤسسة، رغم علمه أن الخلاف غير وارد لأن المؤسسة تعمل بإمرة وتحت رقابة الهيئة. عدا ذلك، فإن رسامني جهة غير موضوعية للحكم. وأي نزاع مؤسساتي يفترض أن يحوّل إلى الجهات القضائية، وليس إلى وزير الوصاية الذي لا يفقه في شؤون الطيران شيئاً. إلّا إذا كان الهدف من تنصيب نفسه حكماً هو افتعال نزاع لإطاحة الهيئة وتقويض صلاحياتها.
يعزز من تلك الفرضية دعوة رسامني إلى تعيين رئيس المؤسسة، من دون باقي أعضاء مجلس الإدارة. وهو ما يسهل عليه التحكم بقرارات المؤسسة كما يحلو له.
في ضوء ذلك، يبدو أن التعويل الرئيسي يقوم على دفع الهيئة العامة للطيران المدني بشخص رئيسها محمد عبد العزيز والأعضاء إلى التسليم لنفوذ وزير الأشغال العامة والنقل، ومن ورائه الجهات التي تدير مطار بيروت الدولي فعلياً. يشار، في هذه الصدد، أن هؤلاء لم يتقاضوا رواتبهم منذ 11 شهراً بأمر مباشر من رسامني، رغم تحويل وزارة المال رواتبهم إلى حساب الهيئة في مصرف لبنان.
هكذا، تتجلى إصلاحات رئيس الحكومة نواف سلام وتعاد بناء مؤسسات الدولة وفق القانون والدستور. الأنكى أن كل هذه المخالفات تحمل تواقيع كل الوزراء وليست حكراً على اتفاق مسبق بين رئيس الحكومة ووزير الأشغال العامة والنقل فقط.



