الرئيسية اقتصاد لبنان “موازنة المواطن” في وزارة الشؤون: تحليل وقراءة الأرقام

“موازنة المواطن” في وزارة الشؤون: تحليل وقراءة الأرقام

أطلقت وزيرة الشؤون الاجتماعيّة حنين السيّد، ومديرة معهد باسل فليحان المالي لمياء المبيّض، امس الثلاثاء “موازنة المواطن لوزارة الشؤون الاجتماعيّة”، التي تهدف إلى عرض المعلومات الماليّة المتعلّقة باعتمادات وإنفاق الوزارة الفعلي، بطريقة شفّافة ومبسّطة، وهو ما يسمح بفهم كيفيّة توزّع الإنفاق العام وأثره المباشر على حياة المواطنين.

ويمكن القول إن وزارة الشؤون الاجتماعيّة قدّمت أوّل تجربة جريئة من هذا النوع، لجهة الإفصاح الكامل عن بيانات الوزارة الماليّة، مع تبويب المعلومات ضمن عرض تقديمي ورسومات بيانيّة تسمح بالتحليل والمناقشة. وفي حقيقة الأمر، لا تقتصر أهميّة هذا العرض على الشفافيّة تجاه المواطن، بل يمكن القول أنّها تقدّم أدوات بالغة الأهميّة للعمل الإعلامي والبحثي الاقتصادي.

اعتمادات الوزارة

تشير أرقام “موازنة المواطن” إلى أنّ وزارة الشؤون الاجتماعيّة حصلت على اعتمادات، في موازنة العام 2026، بقيمة 181.7 مليون دولار أميركي. المسألة الأولى اللافتة في هذا الرقم، هي أنّه يشكّل 88 بالمئة من القيمة الفعليّة للاعتمادات التي حصلت عليها الوزارة في موازنة العام 2019، ما يعني أنّ الوزارة تمكّنت أخيراً من استعادة النسبة الأكبر من حجم الاعتمادات التي كانت تُخصّص لها قبل حصول الأزمة الماليّة، وما تلاها من انهيار في سعر الصرف وتضاؤل في قيمة الاعتمادات. وهذا ما يشكّل تقدّم لافت على مستوى حجم النفقات التي تخصّصها الدولة اللبنانيّة للحماية الاجتماعيّة.

المسألة الثانية اللافتة هنا، تكمن في أنّ الرقم يشكّل زيادة بنسبة 40 بالمئة، مقارنة بحجم الاعتمادات التي حصلت عليها الوزارة في موازنة العام السابق، 2025. وبهذا الشكل، يمكن القول أنّ الوزارة تمكنت فعلياً من الاستفادة من الزيادة المحقّقة في حجم الإيرادات العامّة خلال العام الماضي، لزيادة المخصّصات الممنوحة لبرامج المساعدات والخدمات الاجتماعيّة. وتمّت ترجمة هذا التطوّر عمليًّا في تخصيص الدولة اللبنانيّة، وللمرّة الأولى على الإطلاق، اعتمادات من المال العام لبرنامج “أمان”، أكبر برامج الدعم النقدي للأسر الأكثر فقراً.

تفاصيل الاعتمادات

في تفاصيل النفقات، تم تخصيص 67 مليون دولار أميركي -أي 37 بالمئة تقريباً- لبرامج المساعدات الاجتماعيّة، ومنها 53 مليون دولار أميركي لبرنامج “أمان”. وبهذا الشكل، تكون الدولة قد تكفّلت بتمويل 29 بالمئة من كلفة تمويل البرنامج، الذي يغطّي 800 ألف مستفيد، بينما تتكفّل الجهات المانحة بتأمين النسبة المتبقية. ومن المعلوم أنّ الجهات المانحة كانت تموّل في العادة، قبل هذه السنة، كامل الكلفة.

وتحت عنوان المساعدات الاجتماعيّة أيضًا، تم تخصيص 14 مليون دولار أميركي للبرنامج الوطني لتأمين حقوق المعوقين، الذي يغطي 69 ألف مستفيد، ما يجعل حصّة الدولة من التمويل 8 بالمئة. أما مشروع الاستجابة للأزمات، الذي ساهم بدعم الأسر النازحة خلال الحرب، والذي يغطي 650 ألف مستفيد، فتم تمويله بشكل تام من الجهات المانحة.

في المقابل، تم تخصيص 88.1 مليون دولار أميركي، أي 48 بالمئة من الإجمالي، للخدمات الاجتماعيّة. وهذا ما يغطّي 10 بالمئة من تكاليف مراكز الخدمات الإنمائيّة، بقيمة 18 مليون دولار أميركي، و38 بالمئة من كلفة الشراكات التعاقديّة مع المؤسّسات المتخصّصة، بقيمة 70 مليون دولار أميركي (يستفيد من خدمات هذه المؤسّسات نحو 30.4 ألف شخص).

أما البند الثالث في نفقات الوزارة، فيتمثّل بالإدماج الاقتصادي والتنمية المحليّة، الذي حظي بنحو 23.7 مليون دولار أميركي. وكانت وزيرة الشؤون الاجتماعيّة حنين السيّد قد أشارت في أكثر من مناسبة إلى اتجاه الوزارة لتعزيز هذا الدور بالتحديد في المستقبل، وهو ما يتكامل مع هدف تحويل الوزارة إلى وزارة تنمية اجتماعيّة، عبر تمكين المستفيدين اقتصادياً واجتماعياً بمقاربة تنمويّة شاملة، بدل أن يقتصر دور الوزارة على تأمين الخدمات والمساعدات الاجتماعيّة.

أمّا المسألة الأهم، فهو اقتصار النفقات الإداريّة في ميزانيّة الوزارة على نحو 2.9 مليون دولار أميركي؛ أي ما نسبته 2 بالمئة فقط، وهذا ما يعني أنّ الوزارة خصّصت 98 بالمئة من النفقات للمساعدات والخدمات الاجتماعيّة والدمج الاقتصادي؛ أي للمستفيدين مباشرةً. وهذا ما يؤشّر إلى مستوى مرتفع من الفعاليّة في إدارة مشاريع المساعدات والخدمات الاجتماعيّة، التي عادة ما تستنزف نسبة أعلى من السيولة المتاحة في النفقات الإداريّة.

بعد نشر “موازنة المواطن” على موقع الوزارة، بات بحوزة كل مستفيد من برامج الوزارة، فضلاً عن الإعلاميين والباحثين، نبذة عن المؤشّرات التي تسمح بقياس أداء لبنان المالي، على مستوى الحماية الاجتماعيّة والمساعدات الموجّهة للفئات الأكثر هشاشة. كما بات من الممكن الاستناد إلى هذه الأرقام، للضغط باتجاه زيادة حصّة الوزارة، من اعتمادات الموازنة العامّة، وهذا ما يسمح بالمزيد من الإنفاق على برامج المساعدات النقديّة. مع الإشارة إلى أنّ تزايد معدلات الفقر، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة، يفترض أن يدفع بهذا الاتجاه أصلاً.

 

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةبنوك أميركا الكبرى تحصد أرباحاً قياسية في الربع الثاني بدعم من طفرة الصفقات
المقالة القادمةقرار جديد يرفع تكلفة الغاز في لبنان