حذّر كبير الخبراء الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي، إندرميت جيل، من أن استمرار الحرب المرتبطة بإيران واتساع نطاق المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من التباطؤ الحاد، مع تراجع معدل النمو العالمي إلى نحو 1.3 في المئة خلال عام 2026، مقارنة بـ2.9 في المئة في العام الماضي، في سيناريو يعيد إلى الأذهان الصدمات الاقتصادية التي أعقبت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.
وأوضح جيل، في مقابلة مع وكالة رويترز، أن البنك الدولي أعد ثلاثة سيناريوهات مختلفة ضمن توقعاته الاقتصادية الصادرة في يونيو الماضي، نظرا لحالة الضبابية غير المسبوقة التي فرضها التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن السيناريو الأكثر تشاؤما، والذي يفترض استمرار الأعمال القتالية لمدة ستة أشهر أو أكثر، أصبح أقرب إلى التحقق مع استمرار المواجهات واتساع تأثيرها على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وبحسب جيل، فإن استمرار الحرب لن يقتصر أثره على ارتفاع أسعار النفط والغاز، بل سيؤدي إلى موجة تضخمية عالمية قد ترفع معدل التضخم إلى نحو 4.5 في المئة، وهو ما سيجبر البنوك المركزية الكبرى على الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة أو حتى زيادتها مجددا، بعد أشهر من الآمال بإطلاق دورة جديدة من التيسير النقدي.
إندرميت جيل: استمرار الحرب لن يقتصر أثره على ارتفاع أسعار النفط والغاز، بل سيؤدي إلى موجة تضخمية عالمية قد ترفع معدل التضخم إلى نحو 4.5 في المئة
ويرى المسؤول الاقتصادي أن هذه التطورات قد تؤدي إلى إبطاء وتيرة الاستثمار والاستهلاك في معظم الاقتصادات، لتدخل الأسواق العالمية في حلقة جديدة من النمو الضعيف وارتفاع تكاليف التمويل، وهو ما سيؤثر بصورة مباشرة في الدول النامية والاقتصادات المثقلة بالديون.
وأشار جيل إلى أن المخاطر لا تتعلق بالطاقة وحدها، بل تمتد إلى اضطراب حركة التجارة في عدد من السلع الإستراتيجية الضرورية للإنتاج الزراعي والصناعي. فالأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية النفطية وممرات الشحن في المنطقة يمكن أن تعطل صادرات الأسمدة والهيليوم والكبريت، وهي مواد أساسية للإنتاج الزراعي والصناعات المتقدمة، الأمر الذي يهدد بزيادة انعدام الأمن الغذائي في العديد من الدول.
وأوضح أن هذه الاضطرابات ستنعكس في النهاية على أسعار الغذاء، بما يضيف ضغوطا جديدة على الأسر والحكومات، خصوصا في الدول منخفضة الدخل التي لم تستعد بعد عافيتها الاقتصادية منذ جائحة كوفيد – 19، وما زالت تواجه تبعات ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة خلال السنوات الماضية.
وأكد جيل أن الدول ذات المديونية المرتفعة ستكون الأكثر تضررا من أي دورة جديدة لرفع أسعار الفائدة، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض سيزيد أعباء خدمة الدين، ويقلص قدرة الحكومات على تمويل قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.
وقال إن تقديره الشخصي يشير إلى أن العالم قد يكون على بعد أشهر قليلة فقط من هذا السيناريو، موضحا أن الأسواق لم تشهد بعد موجة رفع جديدة لأسعار الفائدة، لكن تسارع التضخم قد يدفع البنوك المركزية إلى التحرك بسرعة، وهو ما سيضع العديد من الحكومات المثقلة بالديون أمام تحديات خطيرة في الوفاء بالتزاماتها المالية.
وأشار إلى أن بوادر هذه الضغوط بدأت بالفعل في الظهور، إذ طلبت بعض الدول التي تعاني أوضاعا مالية صعبة من صندوق النقد الدولي توسيع برامج التمويل القائمة. كما نقلت رويترز عن مصدر مطلع قوله إن باكستان طلبت من الولايات المتحدة تسهيلات مالية بقيمة عشرة مليارات دولار لدعم استقرار سعر صرف عملتها، في مؤشر على تصاعد الضغوط التي تواجه الاقتصادات الهشة.
وكان البنك الدولي قد أشار في تقريره الصادر خلال يونيو الماضي إلى أن نحو 40 في المئة من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، أي ما يقارب 32 دولة، تعاني بالفعل أزمة ديون أو تواجه مخاطر مرتفعة للوقوع فيها، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لتداعيات أي صدمة اقتصادية جديدة.
ورغم هذه الصورة القاتمة، يرى جيل أن الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين والهند، تتمتع بدرجة أعلى من المرونة مقارنة ببقية دول العالم، بفضل تنوع اقتصاداتها واتساع أسواقها الداخلية وقدرتها على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية.
إلا أن تحذيرات البنك الدولي تعكس قلقا متزايدا داخل المؤسسات المالية الدولية من أن يتحول الصراع في الشرق الأوسط من أزمة جيوسياسية إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق، تمتد آثارها إلى النمو والتضخم وأسواق المال والأمن الغذائي، في وقت لم يتعاف فيه الاقتصاد العالمي بالكامل من سلسلة الصدمات التي تعرض لها خلال الأعوام الخمسة الماضية.



