تدفع المخاطر الأمنية في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف التأمين المشترين إلى إعادة النظر في شروط التعاقد مع المنتجين الخليجيين الذين باتوا يواجهون ضغوطا متزايدة لتقديم خصومات وضمانات إضافية للإمدادات في سوق أصبحت أكثر حساسية تجاه المخاطر الجيوسياسية.
تفرض تداعيات الحرب الأميركية – الإيرانية واقعاً جديداً على تجارة الغاز الطبيعي المسال، مع سعي المشترين إلى استغلال ارتفاع المخاطر في الخليج للحصول على أسعار أقل وشروط تعاقدية أكثر مرونة.
وقد يقلص هذا الوضع جانباً من النفوذ التفاوضي الذي تمتعت به قطر والإمارات لسنوات باعتبارهما من أكثر موردي الغاز موثوقية في العالم.
وأفاد مشترون وتجار ومسؤولون تنفيذيون في قطاع الغاز لرويترز الخميس بأن مشترين آسيويين وأوروبيين يعتزمون طلب أسعار أقل وضمانات إضافية للإمدادات من قطر والإمارات، بعدما أدت الحرب الأميركية – الإيرانية إلى ارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تشهد فيه سوق الغاز الطبيعي المسال دخول طاقات إنتاجية جديدة، خصوصاً من الولايات المتحدة وكندا، إلى جانب توسعات مرتقبة في أفريقيا، ولاسيما في موزمبيق.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوسع إلى زيادة المعروض العالمي خلال السنوات المقبلة، وهو ما يمنح المشترين خيارات أوسع ويحد من قدرة كبار المنتجين على فرض شروط تعاقدية صارمة كما كان الحال خلال سنوات نقص الإمدادات.
ومن الواضح أن الأزمة في الشرق الأوسط، والتي اندلعت أواخر فبراير الماضي، تُعيد تشكيل قطاع الطاقة العالمي، وتُفقد منتجي الخليج سمعتهم كموردين موثوقين عالميًا، الأمر الذي منحهم في السابق قوة تفاوضية كبيرة.
وقد ضعفت قدرتهم بالفعل على تحديد شروطهم الخاصة لأن الحرب أوقفت معظم تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، وهو الممر الملاحي الحيوي عند مدخل الخليج العربي.
وساعدت احتياطيات قطر الهائلة البلاد على أن تصبح القوة المهيمنة في سوق الغاز العالمي، وتمضي الحكومة عبر شركة قطر للطاقة إلى تحقيق أقصى استفادة من حقل الشمال للغاز.
وتستحوذ قطر وجارتها الإمارات من خلال قطر للطاقة وأدنوك، حيث تتزايد أحجام الإنتاج، على نحو خُمس طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال العالمية، والتي تعتمد جميعها على مضيق هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية.
ويظل هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ تمر عبره كميات كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج إلى الأسواق العالمية.
ويؤكد خبراء الطاقة أن أي اضطراب في الملاحة داخل المضيق لا ينعكس فقط على الأسعار الفورية، بل يمتد أثره إلى تكاليف الشحن والتأمين، وإلى قرارات الاستثمار في مشاريع الطاقة، فضلاً عن إعادة تقييم المخاطر في عقود التوريد طويلة الأجل.
ويُعدّ الغاز المسال القطري من بين الأكثر تنافسية من حيث السعر نظرًا لانخفاض تكاليف الإنتاج، بينما تُقدّم الإمارات شروطًا أكثر مرونة.
ومع ذلك، يقول المشترون إن ارتفاع المخاطر وتكاليف التأمين المتزايدة سيمنحهم نفوذًا في المفاوضات المستقبلية لخفض التكاليف بشكل أكبر والمطالبة بالمزيد من المرونة.
وقال نيكولا مونتي، الرئيس التنفيذي لشركة إديسون الإيطالية، لوكالة رويترز على هامش فعالية تجارية عُقدت مؤخرا إنه “سيتعين على أي جهة تُبرم عقودًا جديدة في منطقة الخليج أن تأخذ في الحسبان تكاليف التأمين المحتملة، والتي من المتوقع أن ترتفع”.
شركتا قطر للطاقة وأدنوك الإماراتية تستحوذان على خُمس طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال العالمية، وفق التقديرات
وكانت عقود الغاز طويلة الأجل من قطر والإمارات تُسعّر عادةً بنسبة تتراوح بين 12.6 و12.7 في المئة من سعر خام برنت قبل الحرب.
وأبرمت بعض الصفقات الموقعة منذ ذلك الحين بنسبة أقرب إلى 12.3 في المئة، مما يشير إلى أن المشترين كانوا يسعون بالفعل إلى أخذ ارتفاع المخاطر الإقليمية في الحسبان، وفقًا لمصدر في القطاع.
وأجبرت الحرب قطر للطاقة على إيقاف وحدات تسييل الغاز، وإعلان حالة القوة القاهرة على عمليات التسليم، وتعليق الصادرات.
وقد أدى استئناف الهجمات الإيرانية هذا الشهر على ناقلات النفط العابرة للمضيق إلى غموض آفاق العودة إلى مستويات التدفقات قبل الحرب.
أما شركة إديسون، التي لديها عقد طويل الأجل لتوريد 6.4 مليار متر مكعب من الغاز القطري سنويًا، أي ما يعادل 10 في المئة من الطلب السنوي لإيطاليا، فقد أُلغيت شحناتها من أبريل حتى أوائل سبتمبر بسبب حالة القوة القاهرة.
وأفاد ستة تجار آسيويين بأن محادثات اتفاقية الغاز الخليجية المستقبلية ستركز على خفض الأسعار، بالإضافة إلى تعزيز أمن الإمدادات وتنويعها.
وتحدثوا لرويترز شريطة عدم الكشف عن هويتهم نظراً لحساسية الموضوع، حيث أن شركاتهم لديها عقود طويلة الأجل مع قطر والإمارات.
وأشار أحد التجار إلى أن الدولتين قد تضطران إلى خفض الأسعار مع ازدياد الإنتاج من الولايات المتحدة وكندا وموزمبيق، مما يزيد من حدة المنافسة.
ويقدر المحللون أن قطر تستطيع إنتاج الغاز المسال بتكلفة منخفضة تصل إلى 0.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنةً مع ما بين 3 و5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في العديد من المشاريع المنافسة حول العالم.
وعزوا ذلك إلى احتياطياتها الضخمة وتكاليف العمالة المنخفضة نسبياً. كما أن قربها والإمارات من الأسواق الآسيوية يعني انخفاض تكاليف الشحن.
وأشار التجار إلى أن البلدين الخليجيين يخططان أيضاً لزيادة إنتاجهما من الغاز الطبيعي المسال خلال السنوات القليلة المقبلة، مما يمنح المشترين فرصة أكبر للتفاوض على خصومات.
وسيطلب المشترون كذلك من البلدين تقديم ضمانات باستبدال الشحنات في حال تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز، على سبيل المثال من مشاريع أخرى مثل محطة غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة.
وقال مونتي “سيتعين على موردي الخليج التعامل مستقبلاً مع مستوى جديد من المخاطر الناجمة عما حدث في مضيق هرمز، ونظراً لعدم إمكانية استبعاد تكرار ذلك في المستقبل”.
وصدّرت قطر خلال 2025 نحو 79 مليون طن من الغاز، مستحوذة على 20 في المئة من التجارة العالمية لهذه السلعة الإستراتيجية. وتُقدّر إيراداتها بنحو 45 إلى 50 مليار دولار بحسب مستويات الأسعار العالمية وكميات التصدير.
وتُقدّر صادرات الإمارات الحالية من الغاز بما يتراوح بين 5 و6 ملايين طن سنويًا، بإيرادات تقارب 3 إلى 4 مليارات دولار سنويًا وفقًا لأسعار الغاز العالمية.



