توّج رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي زيارته لتركيا بتوقيع مجموعة من التفاهمات التجاريّة والنفطيّة، بما يشمل المضي قدماً في تفنيذ مشروع طريق التنمية، القادر على تحويل العراق إلى نقطة ربط لوجستي ما بين دول الخليج العربيّة من جهة، وتركيا، ومن بعدها دول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. كما شهدت الزيارة عرضاً عراقيّاً، يقضي بزيادة صادرات النفط إلى تركيا إلى ما يقارب المليون برميل يومياً؛ أي ما يوازي 23 بالمئة إنتاج النفط العراقي الحالي.
وجميع هذه المشاريع، تصب في إطارين متوازيين ومتكاملين: توسيع شراكات العراق الإقليميّة والاستراتيجيّة من جهة، وإعادة رسم المعالم الأساسيّة لمنظومة الطاقة الإقليميّة من جهة أخرى. وكان أثر التطوّرات الجيوسياسيّة حاضراً بالطبع على المستويين.
مشروع طريق التنمية
ظهرت فكرة مشروع طريق التنميّة، للمرّة الأولى، خلال العام 2023. وكان المبدأ الأساسي للمشروع تحويل العراق إلى مركز لوجستي إقليمي، بما يسمح بنقل السلع من الخليج باتجاه تركيا، وبالعكس. وبطبيعة الحال، يمثّل المشروع حلقة ضمن مسار تجاري أوسع، يبدأ من الصين والهند وأسواق جنوب وشرق آسيا، ويصل إلى أوروبا. ومن هذه الزاوية بالتحديد، يمكن فهم تصريح الزيدي، الذي وصف المشروع بأنّه كنهر اقتصادي يحوّل العراق وتركيا إلى “نقطة وصل ما بين الشرق والغرب”.
وبحسب الخطط المرتبطة بهذا المشروع، سيمتد المسار الاقتصادي على مسافة تقارب 1200 كيلومتر، لربط ميناء الفاو الكبير جنوب العراق بالحدود العراقيّة الشماليّة، عبر إقليم كردستان. وعبارة “طريق”، لوصف المشروع، تشير إلى سلّة واسعة من الاستثمارات على امتداد هذا الخط، لتشييد السكك الحديديّة وخطوط النقل البرّي ومراكز التخزين وإعادة الشحن، إضافة إلى توسعة ميناء الفاو نفسه، الذي سيشكّل نقطة البداية الجنوبيّة لهذا الطريق. كما سيشمل المشروع مدناً صناعيّة وتجاريّة للاستفادة من الجدوى الاقتصاديّة التي ستُخلق على امتداد سلاسل توريد المواد الأوليّة. وفي النتيجة، سيخفّض المشروع من كلفة نقل السلع براً، بدلاً من الاضطرار لعبور طريق بحري يلتف حول جنوب شبه الجزيرة العربيّة، ثم الاتجاه شمالاً عبر قناة السويس.
ليس هناك أي مصادفة في تسريع وتيرة العمل بهذا المشروع في هذه المرحلة بالذات. فالحرب في منطقة الخليج العربي أكّدت حجم المخاطر المتصلة بتركّز سلاسل توريد السلع في تلك المنطقة، خصوصاً بالنسبة للدول العربيّة التي تعتمد على مضيق هرمز للاستيراد والتصدير. واضطرابات البحر الأحمر ومضيق باب المندب، رفعت كلفة الشحن والتأمين البحري على السلع التي كانت تمر من هناك، باتجاه قناة السويس. وعليه، تلاقت جميع هذه العوامل، لترفع من الجدوى الاقتصاديّة للمشروع على المدى البعيد. وباختصار، بات مشروع طريق التنمية يحقق للمنطقة هدفين في الوقت نفسه: خفض كلفة الشحن على امتداد هذا الخط، وتنويع سلاسل التوريد وخفض مخاطرها.
العوامل السياسيّة
كما هو الحال دائماً، تتقاطع وتتداخل العوامل السياسيّة مع حسابات الجدوى الاقتصاديّة. فمنذ العام 2024، وبعد توقيع مذكرة تعاون بين العراق وتركيا وقطر والإمارات العربيّة المتحدة، جاء الموقف الأميركي المرحّب بالجهود الرامية “إلى تنويع الاقتصاد العراقي وتعزيز التكامل الإقليمي”. ولم يأتِ هذا الموقف الأميركي من فراغ، ما دامَ المشروع سيخفّض من قدرة إيران على تهديد سلاسل التوريد الإقليمي، المتركّزة حالياً في منطقة مضيق هرمز. ومنذ مطلع العام 2026، تكرّرت الإشارات العراقيّة إلى وجود رغبة أميركيّة في الدخول في مشاريع طريق التنمية ودعمها، وهذا ما أكّد الترابط بين العوامل السياسيّة والحسابات الاقتصاديّة.
على المقلب الآخر، وكما كان متوقّعاً، كان ثمّة حذر إيراني في التعليق أو الانخراط في هذا المشروع، إلا ضمن حدود الكلام الدبلوماسي العام. وكان واضحاً أن إيران تنتظر انجلاء المشهد بشكلٍ أوضح، وتبيان أثر المشروع على نفوذها الاستراتيجي، قبل اتخاذ موقف أوضح من الاتفاقيّات التي يجري توقيعها. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التحليلات التي ربطت امتناع وزير النقل العراقي وهب الحسيني عن توقيع الاتفاقيّة في تركيا، بتوجّهاته السياسيّة المقرّبة من حلفاء طهران.
إعادة رسم خطوط النفط
على أساس العوامل السياسيّة والاقتصاديّة عينها، يمكن قراءة سعي العراق إلى زيادة صادراته النفطيّة باتجاه تركيا، ومنها إلى الأسواق العالميّة عبر البحر المتوسّط. فالعراق يمتلك حالياً خطاً لتصدير النفط، يمتد من كركوك جنوباً إلى ميناء جيهان التركي على شاطئ البحر المتوسّط. وبعد إعادة تشغيل هذا الخط في شهر آذار الماضي، اقتصرت التدفّقات عبره على نحو 180 ألف برميل يومياً فقط؛ أي ما يشكّل أقل من 4 بالمئة من إجمالي الإنتاج النفطي العراقي. وخلال الحرب الأخيرة، تكبّد العراق خسائر بعشرات مليارات الدولارات، بفعل إقفال مضيق هرمز، وهو ما فرض على بغداد البحث عن وسائل لتنويع خطوط تصدير النفط (ومنها زيادة الصادرات باتجاه تركيا).
وبذلك، تأتي مشاريع زيادة الصادرات النفطيّة العراقيّة باتجاه تركيا كجزء من عمليّة إعادة رسم خطوط تصدير النفط على مستوى المنطقة. وهذا ما يخدم أيضاً مصالح تركيا، التي تسعى لتصبح نقطة استراتيجيّة، لإعادة تصدير مصادر الطاقة باتجاه أوروبا. وتجدر الإشارة إلى أنّ مشاريع زيادة الصادرات النفطيّة العراقيّة باتجاه تركيا لن تقتصر على توسيع خط كركوك-جيهان، بل تشمل كذلك استحداث أنابيب جديدة تربط مدينة البصرة بميناء جيهان التركي.
في المحصّلة، لا تبدو الاتفاقيّات التي خرجت بها زيارة الزيدي لتركيا مجرّد تفاهمات ذات طابع اقتصادي بحت، بل تعكس محاولة لإعادة تموضع العراق داخل الخارطة السياسيّة والاقتصاديّة للمنطقة. وفي جميع هذه التفاهمات، يبرز العراق كلاعب يحاول استثمار التحولات الجيوسياسيّة الراهنة، لإعادة صياغة موقعه الاستراتيجي والإقليمي. وإذا نجحت بغداد في تنفيذ هذه المشاريع، فستكون قد انتقلت من موقع المتأثر بالتطورات الإقليمية إلى موقع المساهم في إعادة رسمها.



