الرئيسية اقتصاد لبنان افتتاح الأسواق أُولى معارك التَّعافي

افتتاح الأسواق أُولى معارك التَّعافي

لم ينتظر تجّار مدينة النبطية الوصول إلى نهاية للعدوان ليعودوا إلى أعمالهم. فمع الساعات الأولى لـ«إعلان الهدنة»، بدأ كثير منهم إزالة الركام عن محالّهم، وتنظيف ما تبقّى من بضائعهم، وإعادة فتح أبواب مؤسساتهم، في محاولة لاستعادة الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية في مدينة لم ينجُ سوقها التجاري من الاستهداف. ولكن تكشف المؤشرات أن التعافي لا يبدأ بإزالة الركام وحدها، ولا بإعادة ترميم الأبنية فقط، بل بإعادة الناس إلى أعمالهم، واستعادة الأسواق التي شكّلت على مدى عقود مصدر الرزق الأساسي لآلاف العائلات في الجنوب. فبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية، فقدت محافظة النبطية نحو 76.5% من وظائفها، فيما خرج آلاف العاملين فيها من سوق العمل.

لذا تبقى العودة إلى النبطية مُعلّقة على شروط تتجاوز قدرة التجار والبلديات. فمن دون استقرار أمني حقيقي، ومن دون خطة رسمية لإعادة بناء الاقتصاد المحلي ودعم المؤسسات المتضررة، ستظل المحالّ التي أعادت فتح أبوابها تعمل في ظروف استثنائية، مُعلّقة بين إرادة البقاء والخشية من أن يعيد عدوان جديد المدينة إلى نقطة الصفر.

على الأرض، وداخل مكتبة صغيرة يتجاوز عمرها نصف قرن، يقف حسين فخر الدين بين رفوف غطّاها الغبار وكتب تناثرت تحت الركام. يلتقط كتاباً، ينفض عنه الغبار، ثم يعيده إلى مكانه، كأنه يرتّب ذاكرة المكان قبل أن يرتّب مكتبته. يقول لـ«الأخبار»: «العدو يدمّر، ونحن نعمّر. مكتبتي عمرها 50 سنة. دمّرتها حرب عام 2006، وأعدنا إعمارها، وتضررت في عدوان 2024 ورمّمناها، واليوم تضررت كثيراً ونحاول تنظيفها وإعادة افتتاحها، فالعدوان لا يكسر العزيمة».

في سياق مرتبط، لا تختلف حكاية أبو محمد، صاحب متجر للمواد الغذائية، عن قصص العشرات من أصحاب المؤسسات التجارية في المدينة. فمنذ سنوات، بات يفتح متجره وهو يدرك أن أي تصعيد قد يجبره على ترك كل شيء خلفه. يروي لـ«الأخبار» أنّه «بعد كل تصعيد كنت أترك بضاعة قيمتها تراوح بين ألفين وثلاثة آلاف دولار، عارفاً أنّ الرحيل عن المكان قد يساوي الخسارة التامة. ولكن ما العمل؟ حاولنا العيش خارج النبطية ولم نستطع. هذه بلدنا، وأنا ابن هذه المدينة ولا أستطيع العيش خارجها». أمّا جلال نصر، صاحب مقهى «الليلاندي»، فيرى أن إعادة فتح المؤسسات التجارية ليست قراراً اقتصادياً فحسب، بل جزء من معركة استعادة المدينة. ويقول إن مقهاه دُمّر بصورة شبه كاملة في عدوان 2024، لكنه أعاد بناءه في أقل من عشرين يوماً، قبل أن يتعرض مجدداً لأضرار راوحت نسبتها بين 40% و50% في العدوان الأخير.

ويضيف: «أعدت افتتاح المقهى في الأيام الأولى للهدنة، لأن الهدف اليوم ليس فقط استئناف العمل، بل إعادة الروح إلى المدينة». ويؤكد أن معظم أصحاب المحال أعادوا فتح مؤسساتهم، على الرغم من الأضرار والتهديدات، في محاولة لإحياء الحركة الاقتصادية التي استهدفها العدوان بصورة مباشرة. ويتابع نصر: «إذا كان الاحتلال يسعى إلى قتل النبطية اقتصادياً وتدميرها بطريقة مُمنهجة، فمن واجبنا، نحن أبناءَها وأصحاب المصالح فيها، أن نعيد الحياة إليها قدر المستطاع». ويختم بالقول: «خسائرنا لا تُقارن بما قدّمه الشهداء دفاعاً عن هذه الأرض، وأقل ما يمكن أن نفعله هو أن نبقى متمسّكين بها ونواصل بث الحياة». لا تختصر هذه الشهادات حكايات فردية، بل تعكس واقع مدينة فقدت، إلى جانب أبنيتها، جزءاً كبيراً من قدرتها الاقتصادية. فالنبطية، التي شكّلت لعقود المركز التجاري والخدماتي لمحافظة كاملة، تعرّضت أسواقها ومؤسساتها لضربات متكرّرة أصابت دورة العمل والإنتاج في الصميم.

مصدرجريدة الأخبار - نور محمود
المادة السابقةالمحروقات في لبنان: فائض كبير في السوق… من يختلق الأزمة؟
المقالة القادمةفاتورة الاشتراك تساوي إيجار منزل