مع اقتراب مجلس النواب من مناقشة مشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، تبدو الحاجة ملحّة إلى التوقف عند بعض الملاحظات، من منطلق السؤال الأهم المطروح حالياً: هل يصلح القانون المقترح فعلاً لمعالجة الأزمة؟ وهل يصلح في الوقت نفسه ليكون الإطار الدائم لتنظيم القطاع المصرفي في المستقبل؟
المشكلة الأساسية التي تستحق النقاش هي أن الأزمة اللبنانية ليست مجرد أزمة مصرف أو مجموعة مصارف تعثرت نتيجة أخطاء خاصة بها، بل هي أزمة مالية ونقدية ومصرفية نظامية طالت الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين والاقتصاد بأكمله. وبالتالي، فإن معالجة الأزمة النظامية تحتاج إلى مقاربة مختلفة عن تلك التي يمكن اعتمادها عند تعثر مصرف منفرد في ظروف طبيعية.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الأساسية في القانون المقترح. فهو وُضع أساساً لمعالجة الأزمة المصرفية القائمة منذ نحو سبع سنوات، لكنه لن ينتهي بانتهاء هذه الأزمة، بل سيبقى قانوناً نافذاً ومرجعاً لتنظيم القطاع المصرفي في المستقبل. وهذا يعني أن الأحكام التي يتم إقرارها اليوم، يُفترض انها مخصصة لمعالجة أزمة نظامية، ولا يمكن أن تكون هي نفسها لمعالجة أوضاع مصرف قد يتعرّض لأزمة منفردة في ظروف مختلفة في المستقبل.
لذلك فان اقرار قانون يصلح للأزمة النظامية، ويُطبّق لاحقاً على الأزمات المصرفية، هو خلط خطير بين حالتين مختلفتين جذرياً. في الأزمة النظامية لا يمكن النظر إلى كل مصرف بمعزل عن الدولة ومصرف لبنان وبقية مكونات النظام المالي. أما في حالة مصرف منفرد يتعثر في المستقبل، فيفترض أن تكون هناك قواعد واضحة لتحديد مسؤولياته الخاصة ومعالجة خسائره وحماية أموال المودعين لديه.
ملاحظات المصارف
من هنا، تكتسب بعض ملاحظات جمعية المصارف على التعديلات التي أدخلت على مشروع القانون في لجنة المال والموازنة، أهمية تتجاوز المصلحة المباشرة للقطاع المصرفي. فالمطالبة بوضع معايير موضوعية للقرارات الرقابية، وتعليلها وإتاحة الطعن بها، ليست امتيازاً للمصارف بقدر ما هي ضمانة لأي نظام قانوني سليم. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاعتراض على التقييمات المالية. فالملاحظات تدعو إلى توسيع أسباب الاعتراض على تقرير التقييم، وتمديد المهلة من عشرة إلى عشرين يوم عمل، وإتاحة الطعن في نتيجة التقييم الثاني أمام المحكمة الخاصة.
هذه الضمانات تهم المودعين أيضاً. فتحديد قيمة أصول المصرف وخسائره ورأسماله لا يتعلق فقط بحقوق المساهمين، بل يحدد في النهاية حجم الأموال التي يمكن أن تكون متاحة لاستعادة حقوق المودعين. وكل خطأ في التقييم أو تضييق غير مبرر لحق الاعتراض يمكن أن ينعكس على عملية توزيع الخسائر وعلى قيمة الأموال القابلة للاسترداد.
الأمر نفسه ينطبق على الصلاحيات الواسعة الممنوحة للهيئة المصرفية العليا. فالملاحظات تحذر من عبارات تسمح للهيئة باتخاذ تدابير «على سبيل المثال لا الحصر»، بما يفتح الباب أمام صلاحيات إضافية غير محددة مسبقاً. كما تطالب بأن تخضع بعض الإجراءات، ولا سيما استرجاع الأموال أو اتخاذ تدابير تمس حقوق المساهمين، لمعايير واضحة ولرقابة قضائية.
ومن الطبيعي أن تكون للجهة الرقابية صلاحيات واسعة عندما يتعلق الأمر بحماية الاستقرار المالي، لكن اتساع الصلاحيات يجب أن يترافق مع ضوابط تمنع الاستنسابية. فالمطلوب ليس إضعاف الهيئة المصرفية العليا، وإنما ضمان أن تكون قراراتها قابلة للتبرير والمراجعة والطعن عندما تمس حقوقاً أساسية.
وفي هذا السياق تبرز أيضاً مسألة غياب ممثل عن المصارف عن مناقشات لجنة المال والموازنة. فقد أدى اعتراض نيابي سابق على مشاركة ممثل عن القطاع، بذريعة وجود تضارب في المصالح، إلى عدم دعوة المصارف لاحقاً إلى المشاركة في المناقشات، وهذا الغياب شكل ثغرة كان يمكن تحاشيها بوجود ممثل عن المصار ففي المناقشات. فإذا كان معيار الاستبعاد هو أن المصارف قد تكون طرفاً في توزيع الخسائر (تضارب المصالح)، فإن السؤال يطرح نفسه بالنسبة إلى الأطراف الأخرى التي شاركت في النقاش، وفي مقدمها مصرف لبنان والحكومة. فهما أيضاً طرفان أساسيان في الأزمة وفي عملية توزيع المسؤوليات والخسائر، ويمكن أن ينطبق عليهما مبدأ تضارب المصالح.
المشاركة لا تعني منح المصارف حق الاعتراض على القانون أو حق «الفيتو» عليه. لكنها تعني ببساطة أن يسمع المشرّع وجهة نظر الطرف الذي ستطبق عليه الأحكام مباشرة، كما يسمع وجهة نظر الدولة والجهات الرقابية والمودعين والخبراء. وفي قانون بهذه الحساسية، يصعب تبرير استبعاد أي طرف رئيسي من النقاش.
مصارف قابلة للحياة
الأهم اليوم أنه لا يمكن أن ننظر إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي باعتبارها عملية تصفية حسابات. فالهدف النهائي يجب أن يكون إعادة بناء قطاع مصرفي قابل للحياة، قادر على استقطاب رساميل جديدة وتمويل الاقتصاد وإعادة الثقة إلى النظام المالي. والمستثمر الذي سيُطلب منه ضخ أموال جديدة في المصارف اللبنانية سيبحث أولاً عن طبيعة النظام القانوني الذي سيحكم استثماره، ومدى وضوح قواعد الملكية وحقوق الدفاع والرقابة القضائية.
لذلك، فإن التعاطي بانفتاح وتفهّم مع الملاحظات التي قد ترد من أي طرف معني بتحمّل المسؤولية في الخروج من الانهيار، هو في جوهره، يندرج ضمن واجبات النواب الذين سيناقشون ويقرون هذا القانون في خلال اجتماعات الخيئة العامة. وينبغي أن يضعوا امام أعينهم أن الأهم في اي قانون ينظم عمل المصارف، هو أن يضمن استمرارية القطاع وازدهاره، لأنهم بهذه الطريقة فقط يؤدون واجبهم بتلبية الشرط الاساسي الذي يسمح بقيام قطاع مصرفي سليم، قادر على المساهمة في إعادة أموال المودعين والنهوض بالاقتصاد.
أما الخطأ الأكبر، فهو أن نعالج أزمة نظامية استثنائية بقانون لا يميز بين طبيعة الأزمة الحالية وبين تعثر مصرف منفرد في المستقبل. فإذا كان القانون سيبقى لعقود، فلا يجوز أن يكون مصمماً فقط على مقاس الأزمة الحالية. المطلوب قانون يعالج الانهيار الراهن، لكنه في الوقت نفسه يضع قواعد عادلة وواضحة وملائمة لكل أزمة مصرفية مستقبلية، من دون أن يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، أو إجراءات الأزمة النظامية إلى قواعد دائمة وناظمة لعمل المصارف في المستقبل.
بعد سبع سنوات من الانهيار، لا يحتاج لبنان إلى قانون سريع فحسب، بل إلى قانون، يساعد على الخروج من الانهيار،و يصمد أمام الزمن. وهذه ربما تكون أهم ملاحظة يجب أن يضعها المجلس النيابي أمامه قبل التصويت.



