حذرت منظمة العمل الدولي في تقريرها “الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026” من أن بطالة الشباب العالمية ارتفعت مجدداً، مدفوعة بضعف النمو الاقتصادي، وتباطؤ خلق فرص العمل، والتوترات الجيوسياسية، والتغيرات التكنولوجية السريعة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وأشارت المنظمة إلى أن هذه العوامل تجعل الانتقال من التعليم إلى العمل اللائق أكثر صعوبة لملايين الشباب.
بلغ معدل البطالة العالمي لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً 12.4% في عام 2025، مقارنة بـ12.3% في العام السابق، ما يعادل نحو 67 مليون شاب عاطل عن العمل. كما ارتفعت نسبة الشباب غير العاملين وغير الملتحقين بالتعليم أو التدريب إلى 20%، لتطال أكثر من 257 مليون شخص. ويُعد هذا الارتفاع انعكاساً لتراجع التحسن الذي شهدته أسواق العمل الشبابية بعد جائحة كوفيد-19.
وتسجل الدول العربية وشمال أفريقيا أعلى المعدلات عالمياً: 26.2% في الدول العربية و22.6% في شمال أفريقيا خلال 2025، حيث يعاني ثلث الشباب على الأقل من عدم الالتحاق بالعمل أو التعليم أو التدريب. وسُجلت بعض أكبر الزيادات في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، مثل أميركا الشمالية التي ارتفع فيها المعدل من 8.3% إلى 9.8%، وأوروبا حيث بلغ 15% في بعض المناطق.
وركزت المنظمة على أن الوظائف التقليدية التي كانت تشكل بوابة دخول الشباب إلى سوق العمل، مثل الوظائف الإدارية والمكتبية، والمبيعات، والخدمات، وبعض وظائف التصنيع والمهن التقنية، تشهد تراجعاً أو تحولاً سريعاً بسبب الأتمتة والذكاء الاصطناعي التوليدي.
وأوضحت سوكتي داسغوبتا، مديرة إدارة التوظيف والمهارات والمؤسسات المستدامة في المنظمة، أن 6.1% من الوظائف التي يشغلها حالياً الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً تقع ضمن مهن شديدة التأثر بالتغيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وإذا اختفى 10% فقط من هذه الوظائف، فقد يواجه نحو 5.6 مليون شاب، معظمهم في البلدان ذات الدخل المرتفع، خطر البطالة أو تغيير المسار المهني أو الخروج من سوق العمل.
وتشير تحليلات المنظمة السابقة حول التعرض المهني للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أن التأثير الأكبر يتمثل في تحويل الوظائف أكثر من القضاء عليها بالكامل، حيث يظل الكثير منها بحاجة إلى تدخل بشري.
ومع ذلك، تتركز مخاطر الأتمتة في الوظائف المكتبية والدعم الإداري، التي يشغلها النساء والشباب بنسبة أعلى، ويصل التعرض في البلدان ذات الدخل المرتفع إلى مستويات أعلى بكثير مما هو عليه في البلدان منخفضة الدخل.
وفي التحديث لعام 2025، أكد الباحثون أن نحو ربع العمال عالمياً يعملون في مهن ذات درجة ما من التعرض، لكن معظم الوظائف ستتغير بدلاً من أن تختفي.
وأكدت المنظمة أنها لا تربط بعد بشكل مباشر وسببي بين تبني الذكاء الاصطناعي والارتفاع الأخير في بطالة الشباب، مشيرة إلى أن التأثير الكامل لا يزال غير مؤكد ويحتاج إلى مراقبة دقيقة. غير أنها حذرت من عدم الاستهانة بالمخاطر، خاصة مع “مفارقة الخبرة” التي يطلب فيها أصحاب العمل خبرة واسعة حتى في الوظائف الأولية، ومع تراجع الطلب على المهارات المتوسطة.
ويفاقم الذكاء الاصطناعي التحديات القائمة أمام الشباب، خصوصاً في الاقتصادات المتقدمة حيث تتوفر البنية التحتية الرقمية وتتسارع وتيرة التبني، بينما في البلدان النامية قد تكون الآثار أقل حدة حالياً بسبب هيكل التوظيف المختلف (انتشار الزراعة والعمل غير الرسمي)، لكنها قد تسبق الفوائد إذا لم تُسد فجوة البنية الرقمية.
وفي المنطقة العربية، تشير تقارير المنظمة إلى إمكانات إيجابية صافية إذا أُدير التحول بشكل شامل، مع مخاطر على بعض القطاعات الروتينية.
ودعت منظمة العمل الدولية إلى استثمارات أقوى في التعليم الجيد، والتدريب المهني، والتعلم مدى الحياة، والتلمذة الصناعية، وتعزيز خدمات التوظيف، وتوسيع الحماية الاجتماعية، واعتماد نهج يركز على الإنسان في حوكمة الذكاء الاصطناعي. وقالت داسغوبتا “يجب أن يكون التقدم التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، في خدمة الشباب لا ضدهم”.
ويظل التحدي عالمياً: إما أن يُدار التحول التكنولوجي عبر حوار اجتماعي وسياسات استباقية تحول المخاطر إلى فرص، أو أن يتفاقم استبعاد جيل كامل من الشباب عن سوق العمل اللائق.



