بين القوانين المطروحة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي والوعود المتكررة بحماية حقوق المودعين، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى اللبنانيين: ماذا عن أموالهم المحتجزة منذ سنوات؟
فبعدما فقدت الودائع جزءًا كبيرًا من قيمتها الشرائية بفعل الأزمة والتضخم وارتفاع الأسعار، تعود التعديلات التشريعية إلى الواجهة، وسط مخاوف من أن تبقى حقوق المودعين معلقة بانتظار قوانين وإجراءات جديدة. فهل تؤسس هذه التعديلات فعلاً لمسار يعيد الأموال إلى أصحابها، أم أننا أمام وعود قانونية جديدة من دون آلية واضحة للتنفيذ؟
في هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، عبر “النشرة”، أن “ما حصل في جلسة مجلس النواب هو تعديل على قانون إعادة هيكلة المصارف الذي صدر العام الماضي”، مشيرًا إلى أنه “تُجرى اليوم تعديلات عليه بناءً على طلب صندوق النقد الدولي”.
ويشرح عجاقة أن مقاربة الملف تنطلق من وجهتي نظر، “الأولى اجتماعية والثانية اقتصادية”، لافتًا إلى أن ما يهم المواطن هو معرفة ما إذا كان سيستعيد أمواله، فيما تفرض المقاربة الاقتصادية عدم المس بالودائع العائدة إلى المواطنين.
ومن هنا يُطرح السؤال الجوهري: هل القوانين التي أُقرت أو المشاريع المطروحة تضمن فعلاً عودة الودائع؟
بالنسبة إلى عجاقة، لا توجد حتى الآن صيغة تضمن ذلك، معتبرًا أن ما يحصل لا يتجاوز، بالمفهوم الاقتصادي، حدود “الوعود القانونية”.
لكن أزمة المودعين لم تعد مرتبطة فقط باستعادة الأموال، بل أيضًا بالقيمة التي ستكون عليها عند استردادها. فسنوات الأزمة وارتفاع الأسعار أدّت إلى تراجع كبير في القدرة الشرائية، ما يعني أن مرور الوقت يراكم خسائر إضافية على أصحاب الودائع.
وفي هذا الإطار، يشير عجاقة إلى أن “المئة دولار اليوم تتراوح قيمتها ما بين 40 و60 دولارًا نتيجة الغلاء وارتفاع الأسعار”، لافتًا إلى أنه حتى إذا بقي المبلغ الإسمي كما هو، فإن صاحبه يكون قد خسر جزءًا من قيمته الفعلية.
بدوره، رأى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان عبر حسابه على منصة “أكس” أن “لا ودائع تُستعاد بهذا القانون”، موضحًا أن “تعديلات قانون معالجة أوضاع المصارف تنظّم ما بعد توزيع الخسائر، لكنها لا تحدد من يتحملها ولا آلية رد الودائع”.
وأشار إلى أن هذه المسائل تُحسم في قانون الانتظام المالي، معتبرًا أن “أي حديث عن إصلاح مصرفي قبل حسم الفجوة وتحديد حقوق المودعين والتزامات باقي الأفرقاء هو سابق لأوانه”، ومشددًا على أن “المودع لا يحتاج إطارًا لتصفية خسارته؛ يحتاج قانونًا يضمن استرداد وديعته”.
وبين إعادة هيكلة المصارف وقانون الانتظام المالي وتحديد المسؤوليات عن الخسائر، تبقى استعادة الودائع الاختبار الحقيقي لأيّ خطة إصلاحية. فبالنسبة إلى المودع، لا تكمن الأولوية في عدد القوانين التي تُقرّ، بل في الإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية: كم سيستعيد من أمواله؟ متى سيستعيدها؟ وبأي قيمة؟
وحتى تتوافر إجابات واضحة وآليات ملزمة وضمانات قابلة للتنفيذ، سيبقى السؤال الذي يرافق اللبنانيين منذ بداية الأزمة من دون جواب حاسم: متى تعود الودائع إلى أصحابها؟



