“ردح” متبادل بين وزير الطاقة الحالي ووزراء طاقة سابقين ومن يمثّلهم. لا يمكن توصيف البيانات التي يتبادلها الطرفان سوى بـِ “الردح” لتدنّي مستوى اللغة فيها إلى مستوىً يحاكي لغة الشوارع. اتهامات بالكذب وتوصيف بالغباء أقل ما يرد في بيانات الطرفين في كل ما يرتبط بملف الطاقة. أما موضوع السجال فلا يتعدّى تسجيل أهداف افتراضية كل في مرمى الآخر، أهداف شعبوية تشد عصب الجمهور ولا تأتي على ذكر تأمين الكهرباء لا من قريب ولا بعيد.
في الأصل ليس موضوع تأمين التغذية للبنانيين موضوع سجال، فالطرفان فشلا في تأمينها، الأول احتكر وزارة الطاقة لأكثر من 10 سنوات وتركها في بحر من الديون والثاني جاء متفرّجاً، ليُخرج بالأمس ملف بواخر الكهرباء من الأدراج حيث شهد زملاؤه في التيار السياسي نفسه على دفنها منذ سنوات.
سجالات وحروب بلا كهرباء
على وقع التصفيق “الافتراضي” أطلق وزير الطاقة “القواتي” جو صدّي مؤخراً التدقيق الجنائي في ملف بواخر الطاقة، ملف شهد عليه زملاء الوزير في سنوات سابقة حين كانت وزارة الطاقة مع خصومه السياسيين “التيار الوطني الحر”. وسرعان ما انتهى المؤتمر الصحافي حتى جاء رد التيار بلهجة الزواريب، لا ليتحدّث بالأرقام إنما ليقول لجمهوره أنه بالمرصاد. وبين هذا وذاك يقبع لبنان بكامل مؤسساته ووزرائه ومواطنيه بلا كهرباء. فلا التيار الوطني الحر ولا القوات اللبنانية نجحت خلال السنوات الـ 16 الأخيرة بتأمين الكهرباء للبلد، طبعاً ولا حتى أي تيار سياسي آخر، فالجميع تعامل مع الوزارات الخدماتية إما على أنها مكسب شخصي أو أنها منصة للتصويب على الخصم السياسي لتحقيق مكاسب انتخابية.
من الوقاحة أن نشهد سجالات سياسية على خلفية ملف كهرباء يتراكم فيه الفشل منذ سنوات من دون توقّف، ونحن نسدّد فواتير باهظة لمافيا المولدات الخاصة، ونشاهد السجالات تلك عبر أجهزتنا الإلكترونية التي لم تتغذّى بكهرباء الدولة منذ عام 2019 لأكثر من ساعتين يومياً.
متى بدأ استئجار بواخر الكهرباء في لبنان؟
ولأن الذاكرة اللبنانية قصيرة، لا بد من التذكير أنه منذ عام 2010 ولدت لدى وزير الطاقة حينها جبران باسيل فكرة استئجار بواخر توليد كهرباء عائمة كحل “مؤقت” لسد النقص، وتم التعاقد مع شركة كاردينيز التركية عام 2012، وتمدّد الحل المؤقت من 3 سنوات كما كان مقرّراً إلى العام 2021 وتحوّل إلى دائم كما كل شيء مؤقت في لبنان، مع تمديد العقد اكثر من مرة وسط شبهات فساد وعمولات وسمسرات بملايين الدولارات.
وبعد تراكم فاتورة لبنان الإجمالية لنحو مليار دولار، غادرت “كاردينيز” نهائياً من دون أي خطط أو بدائل، باستثناء أن تسد الجباية ما تيسّر من انتاج كهرباء. بمعنى أن لبنان اليوم يتعامل مع ملف الكهرباء كما صاحب “محل تجاري” متواضع في حي شعبي، لا يسمح بالاستدانة لكن ليس لديه ما يكفي من المال لشراء حاجياته ولا خطط وطموحات لديه لحل أزمته. هذا هو حالنا لا جباية لا تغذية في مقابل لا تغذية كاملة لا فواتير ولا جباية، حلقة مفرغة ندور فيها من دون أي تقدّم على مستوى القطاع.
الكهرباء بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية
وبالعودة إلى ما قبل الوزير صدّي، فقد تعاقب على وزارة الطاقة في السنوات الـ 16 السابقة، وزراء غالبيتهم من “التيار الوطني الحر” من جبران باسيل وسيزار بو خليل، مروراً بندى البستاني ووصولاً إلى ريمون غجر ووليد فياض. وعندما حظينا بتغيير سياسي في وزارة الطاقة اعتقدنا أن التغيير سينطلي على العقلية التي ستُدار فيها إحدى أهم الوزارات الخدماتية في البلد، لنجد أنفسنا يوماً بعد يوم غارقين في مستنقع اللاخطط والبازار السياسي غير ذي النفع، ما يطيح بأي آمال بتأمين الكهرباء للبنانيين في المدى المنظور.
في المقابل لم تكن “القوات اللبنانية” غائبة عن الحكومات خلال الفترة الزمنية عينها، فحكومة سعد الحريري الأخيرة مثلاً أي قبل خروج بواخر الطاقة من لبنان، ضمّت عدداً من وزراء القوات اللبنانية من بينهم نائب رئيس الحكومة آنذاك غسان حاصباني ووزير العمل كميل بو سليمان وسواهم.. وهذا ما يعني أن القوات كانت جزءاً من الحكومات التي مدّدت وسهّلت وجود بواخر الطاقة بكل ما يرافق ذلك من هدر وفساد. لم نسمع حينها بطلب التدقيق الجنائي أو حتى فتح تحقيق جدّي بالملف.
ولا يعني ذلك أن المطالبة اليوم بالتدقيق الجنائي غير ذات أهمية وضرورة، ولكن أن تأتي بعد أكثر من 10 سنوات فلا بد أن تُقرأ بعين الكيد السياسي لا مكافحة الفساد كما يحاول البعض أن يصوّرها. وأكثر من ذلك تأتي “الانتفاضة على بواخر الطاقة” في وقت ما زال فيه اللبنانيون بلا كهرباء وبلا أفق للقطاع.
هل هناك أموال كافية لتأمين الكهرباء؟
وليست إدارة وزير الطاقة الحالي للقطاع بأفضل من إدارة من سبقوه، وإن كان ملف الطاقة في عهد وزراء التيار الوطني الحر تلازم مع شبهات فساد وهدر وبازار سياسي، فالملف اليوم يقوم على “اللا سياسة طاقوية”، يعتمد الوزير الحالي فقط سياسة التغذية على قدر الجباية، مع عدم تحميل الدولة أي سلف خزينة جديدة متجنّباً الوقوع في “فخ” السلفات الذي غرق فيه وزراء التيار سابقاً.
لكن في المقابل لا أموال كافية لتأمين التغذية خصوصاً بعد ارتفاع سعر النفط عالمياً، أما الحلول فغائبة عن النقاش. إذن ماذا عن تحرير الإنتاج وجذب الاستثمار الأجنبي والشراكات مع القطاع الخاص.. لا شيء من ذلك يتم العمل عليه ولا أمل بالتالي بتأمين التيار الكهربائي في المدى المنظور.
يتفاخر الوزير الحالي بعدم مراكمة العجز على كهرباء لبنان، لكنه لم يتمكن من تأمين تغذية للبنانيين لساعة واحدة إضافية. وأي بلد في العالم تغيب الكهرباء بشكل يومي عن عاصمته الإدارية لنحو 22 ساعة. غابت حلول الأرض واقتصرت على الجباية مقابل الفيول. اما المواطن فيعوّض الساعات الـ22 يومياً من المولدات الخاصة التي تستنزف جيبه وحياته. سياسة وزارة الطاقة واضحة لا سلفات خزينة وليتحمّل المواطن عبء تامين الكهرباء.
هل طرح وزراء الطاقة حلولاً لأزمة الكهرباء؟
الطرفان “وزراء التيار الوطني الحر” ووزير “القوات اللبنانية” وطبعاً من سبقهما إلى وزارة الطاقة من أحزاب أخرى منها “حزب الله” و”حركة أمل” وسواهم لم يطرح أي منهم حلولاً جذرية لأزمة الكهرباء قابلة للتنفيذ، وهذا ما يميّز عهودهم فقط في قطاع الطاقة، أن منهم من شاب عهده شبهات فساد وآخر راكم الديون على الدولة وسواه تلاعب بالعقود وآخر وظّف محسوبين عليه وغير ذلك من أشكال الفساد والهدر، لكن الجميع من دون استثناء يتشارك بجريمة “غياب الكهرباء” وحرمان اللبنانيين أبسط حقوقهم.



