منذ بداية السنة الجارية، كانت أرقام الجمارك اللبنانيّة تؤشّر إلى ارتفاع كبير في عجز الميزان التجاري اللبناني، أي الفارق ما بين حجميّ الصادرات والواردات. بل كانت الأرقام الشهريّة تؤشّر إلى أن البلاد تتجه لتسجيل أرقام قياسيّة، لجهة الحجم الإجمالي للواردات وعجز الميزان التجاري.
أمّا الجديد اليوم، فهو أنّ أرقام النصف الأوّل من السنة أظهرت أن عجز الميزان التجاري قد ارتفع حتّى بات يوازي نصف حجم الناتج المحلّي الإجمالي، أو نصف حجم الاقتصاد اللبناني برمّته. وبطبيعة الحال، كان لهذه التطوّرات الحسّاسة أسبابها: بين ارتفاع أسعار النفط، ومعدلات التضخّم العالميّة التي رفعت كلفة الاستيراد، فضلاً عن تراجع حجم الصادرات، بسبب الحرب وانخفاض حجم الإنتاج المحلّي.
أرقام النصف الأوّل من 2026
تشير أرقام الجمارك اللبنانيّة إلى أنّ حجم الواردات الإجمالي، خلال النصف الأوّل من عام 2026، ارتفع ليلامس حدود 10.15 مليار دولار، مقارنة بنحو 9.61 مليار دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، ما يعني أنّ حجم الواردات قد سجّل ارتفاعاً سنوياً بنسبة 5.62 بالمئة. وفي المقابل، تراجع حجم الصادرات بنسبة 14.14 بالمئة بين الفترتين، ليسجّل 1.49 مليار دولار أميركي خلال النصف الأوّل من 2026، مقارنة بنحو 1.74 مليار دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي.
وبهذا الشكل، كان من الطبيعي أن يرتفع عجز الميزان التجاري إلى أكثر من 8.65 مليار دولار أميركي خلال النصف الأوّل من 2026، أي بزيادة نسبتها 10 بالمئة، مقارنة بعجز الفترة المماثلة من العام الماضي، والذي بلغ 7.86 مليار دولار أميركي. وعموماً، يمكن القول إنّ حجم العجز في الميزان التجاري قد قارب نصف حجم الاقتصاد اللبناني، إذا ما أخذنا بالاعتبار تقديرات صندوق النقد للناتج المحلّي، وهو ما يُعد نسبة مرتفعة تعبّر عن اعتماد شديد على الاستيراد.
تحمل هذه الأرقام دلالات اقتصاديّة بالغة الأهميّة. فتراجع حجم الصادرات بنسبة تفوق ضعف نسبة نمو الواردات أشّر إلى أنّ الحرب لم تكتفِ بإرباك حركة الاستهلاك الداخلي، بل أثّرت على القطاعات الإنتاجيّة والتصديريّة التي كان يعوّل عليها لبنان لتضييق العجز المزمن في الميزان التجاري. وفي المقابل، استمرّ لبنان في اعتماده شبه الكامل على الخارج، لتغطية حاجاته الاستهلاكيّة والصناعيّة.
في المقابل، أسهمت معدلات التضخّم العالميّة في رفع كلفة السلع المستوردة، وخصوصاً بالنسبة لأسعار النفط، التي ارتفعت على وقع التصعيد في منطقة الخليج، والمخاوف المرتبطة بسلاسل توريد مصادر الطاقة. مع الإشارة إلى أنّ صندوق النقد الدولي توقّع أن يرتفع معدل التضخم العالمي إلى 4.7 بالمئة هذه السنة، مقارنة بـ4.1 بالمئة العام الماضي، بفعل تأثير أسعار الطاقة على أكلاف الإنتاج والنقل لجميع السلع. أما سعر برميل النفط بالتحديد، فقد ارتفع حتّى اليوم بنسبة 52 بالمئة، مقارنة بالأسعار في بداية السنة، وهو ما يفترض أن ينعكس على أسعار جميع المشتقات البتروليّة.
أصناف الواردات والصادرات
على صعيد أصناف الواردات، تصدّرت فئة المنتجات المعدنيّة (بما فيها المشتقات البتروليّة) اللائحة، بقيمة تناهز 2.457 مليار دولار أميركي خلال النصف الأوّل من 2026، أي ما يعادل 24.2 بالمئة من إجمالي المستوردات. ثم تلتها فئة اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة، بقيمة 1.371 مليار دولار أميركي، وبنسبة 13.51 بالمئة من الإجمالي. كما حلّت بعدها فئة المنتجات الكيميائيّة، بقيمة 1 مليار دولار أميركي، وبنسبة 9.86 بالمئة من الإجمالي. أما فئة الآلات والمعدات الكهربائيّة، فبلغت قيمتها 909 مليون دولار، وبنسبة 8.96 بالمئة من إجمالي الواردات.
في المقابل، وعلى صعيد الصادرات، تصدّرت فئة اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة القائمة، بقيمة تناهز 397 مليون دولار أميركي خلال النصف الأوّل من 2026، وبنسبة 26.54 بالمئة من الإجمالي. ثم تلتها المعادن الأساسيّة ومصنوعاتها، بقيمة 257 مليون دولار أميركي، وبنسبة 17.14 بالمئة من الإجمالي. ثم المنتجات الغذائيّة والمشروبات والتبغ، بقيمة 214 مليون دولار أميركي، وبنسبة 14.31 بالمئة من الإجمالي، والآلات والمعدات الكهربائيّة، بقيمة 179 مليون دولار أميركي، وبنسبة 11.96 بالمئة من الإجمالي.
أمّا على مستوى وجهات التصدير، فقد تصدّرت سويسرا القائمة، بنسبة 15.22 بالمئة من الإجمالي، ما يجعلها الشريك التجاري الأوّل للبنان على هذا المستوى. ثم تلتها الإمارات العربيّة المتحدة، بنسبة 11.15 بالمئة، ثم تركيا بنسبة 6.61 بالمئة، وسوريا بنسبة 5.94 بالمئة، والعراق بنسبة 4.67 بالمئة. وعكس حضور سوريا، ضمن أبرز خمس وجهات تصديريّة، استمرار انفتاح السوق السوريّة كتنفّس تجاري للبنان، في ظل المحادثات القائمة بين الجانبين لتحسين العلاقات الاقتصاديّة.
أخيراً، يبقى السؤال الأهم متّصلاً بمسار الأشهر المقبلة. فإذا استمرّت الظروف الأمنيّة في الضغط على القطاعات الإنتاجية، كما هو الحال اليوم، فإن اتساع العجز التجاري لن يعود مدفوعاً بكلفة الاستيراد فقط، كما كان الحال دائماً، بل سيكون مدفوعاً أيضاً بانكماشٍ موازٍ في القدرة التصديريّة للبنان، ما يشكّل تطوراً أكثر حساسيّة لأنّه يمس أحد الأعمدة التي يجب الرهان عليها لإعادة التوازن إلى الاقتصاد اللبناني.



