الرئيسية اقتصاد دولی واشنطن تعزل إيران اقتصادياً.. ما القطاعات التي تستهدفها؟

واشنطن تعزل إيران اقتصادياً.. ما القطاعات التي تستهدفها؟

لم تعد العقوبات الاقتصادية في الاستراتيجية الأميركية مجرد أداة ضغط تفاوضي، بل تحولت إلى حربٍ هجومية قائمة بذاتها تستهدف تفكيك بنية النظام الإيراني تدريجياً بدلاً من خنقه لفرض الحد الأقصى من التنازلات التفاوضية عليه. مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية أمس الاثنين عن تفعيل عملية “العزل الاقتصادي”، التي تستهدف نحو 60 إلى 78 كياناً وشخصاً وسفينة، مع تعليق التراخيص العامة السابقة التي كانت تتيح أي استثناءات تحويلية مرتبطة بطهران، دخلت العلاقة بين واشنطن وطهران منحنى جديداً لا يهدف إلى “إدارة الصراع” بل إلى “إنهائه” عبر رفع منسوب الضغط على النظام الإيراني، مما ينعكس سلباً وبدوره على المستوى المعيشي لأكثر من 93 مليون مواطن إيراني.

وشملت حزمة العقوبات، التي اعتبرتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب “حملة غير مسبوقة”، خمسة من أهم القطاعات التي تنتفع منها إيران في دول أخرى، وهي: الأصول الرقمية، والذهب، والطيران، والتكنولوجيا، والشحن البحري. وهذه الإجراءات، وفقاً للخزانة الأميركية، “توسع نطاق مخاطر العقوبات الثانوية لأي شخص يرتكب حماقة الاستمرار في التعامل التجاري مع هذا النظام”، وأي “انخراط اقتصادي من أي نوع مع النظام الإيراني” سيعرّض المسؤولين عنه للعقوبات الأميركية، كما سيتم استبعاد “أي كيان يسهّل غسيل الأموال لصالح إيران” من نظام الدولار الأميركي”.

ما الذي تستهدفه العقوبات؟

1-الأصول الرقمية:

بدأ التركيز الأميركي على فرض عقوبات على محافظ العملات المشفرة (مثل عملات USDT) المرتبطة بإيران في 15 تموز/ يوليو 2026، حين أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تجميد نحو 130 مليون دولار أميركي من العملات الرقمية المشفرة، بعد أن كان قد أعلن في اليوم نفسه عن عقوبات على أكثر من 50 شخصاً وكياناً وسفينة لارتباطهم بشبكة الشحن وتجارة النفط التابعة لـ”مدير أسطول الظل الإيراني” محمد حسين شمخاني. فيما تشمل عملية “العزل الاقتصادي” استهداف وتجميد مئات ملايين الدولارات من العملات المشفرة على شبكات مختلفة ومحافظ مرتبطة بجهات إيرانية وبالمصرف المركزي الإيراني تحديداً، وذلك بتنسيق مباشر مع شركات مثل تيثر (Tether) ومنصات رقمية مختلفة. وكانت واشنطن قد صنّفت أكبر منصات تداول العملات الرقمية المحلية في إيران، وهي “نوبيتكس” (Nobitex)، و”ووليكس” (Wallex)، و”بيتبين” (Bitpin)، و”رامزينكس” (Ramzinex)، ضمن قائمة العقوبات في حزيران/يونيو.

وكشف تحقيق لـِ “رويترز” في 31 تموز/ يوليو تفاصيل شبكة “شلبيت” (Shelbit)، التي تدير تحويلات عملات مشفرة مرتبطة بالالتفاف على العقوبات، قدّرت قيمتها بنحو 4 مليارات دولار على الأقل منذ أيار/ مايو 2024. وشملت التحويلات تعاملات مباشرة مع البنك المركزي الإيراني بما لا يقل عن 125 مليون دولار، وتدفقات إلى منصة “بينانس”(Binance) بلغت 676 مليون دولار. كما ربط التحقيق الشبكة بأكثر من ألفي موقع للمقامرة، وإجراء معاملات بقيمة 130 مليون دولار لموقع واحد منها، بمشاركة أكثر من 60 مؤثراً إيرانياً للترويج، مع الإشارة إلى سيطرة الحرس الثوري على هذا القطاع. ثم فرضت واشنطن عقوبات على “شلبيت” بتاريخ 7 آب/ أغسطس الجاري، وشملت العقوبات الشركات التابعة لها وهي “شلبيت للتجارة العامة”، و”شلبيت للتكنولوجيا”، و”كريبتو هوم”، و “إن إف تي هوم”.

وكشف تقرير وزارة الخزانة الأميركية أمس تفاصيل عن قيام الوسيط إيفان أوبوخوف (Ivan Obukhov) بمعالجة نحو 100 مليون دولار من العملات المشفرة لتسهيل عمليات بيع النفط لحساب الحرس الثوري، إلى جانب أمثلة عن جرائم فردية مثل عملية سرقة للأصول الرقمية قام بها أرمان كاهزاديان (Arman Kahzadian) من خلال الاستيلاء على محفظة بيتكوين بقيمة 30 ألف دولار.

2- الذهب والمعادن النفيسة:

تعمل واشنطن على تفكيك قناة “الذهب مقابل النفط” التي استخدمتها طهران لسنوات كوسيط آمن للالتفاف على نظام “سويفت” (SWIFT) وهيمنة البترودولار مستعينة بشبكات تهريب دولية ودول حليفة، ذلكَ عبر منع المقايضة والتسييل، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني سبائك الذهب كأداة دفع يتم تهريبها عبر شبكات جوية وبحرية تنقل الذهب الخالص من دول حليفة ووسطاء في الشرق الأوسط، لتسييلها في أسواق آسيوية بعيداً عن المنظومة المصرفية الإلكترونية. بالإضافة إلى فرض مهل صارمة، حيث تمنح وزارة الخزانة الأميركية مهلاً زمنية محددة للدول والمؤسسات لتصفية أي تداولات تجارية بالمعادن الثمينة مع طهران. وقد ينعكس عزل الذهب الإيراني وملاحقة شبكاته في قفزة فورية في سعر الذهب عالمياً، الذي تجاوز بالفعل عتبة 4680 دولاراً فجر اليوم الثلاثاء. وقد ورد في تقرير وزارة الخزانة أن النظام في إيران يحاول بشكل متزايد تثبيت الريال الإيراني بالذهب للتحوط ضد التضخم الجامح، وذلك مع انهيار القطاع المالي الرسمي. وتجاوزت واردات طهران من سبائك الذهب 1.2 مليار دولار في فترة تسعة أشهرعام 2024، ثم قفزت إلى أكثر 2.1 مليار دولار خلال 7 أشهر فقط من عام 2025، أي بزيادة تقارب 75%، وذلك وفقاً لبيانات مصلحة الجمارك الإيرانية.

3- الطيران المدني والتجاري:

تشمل العقوبات الحظر على النقل الجوي الإيراني، بدعوى استخدام الطائرات لنقل الذهب والنقود والأسلحة والتقنيات الحساسة بين طهران وعواصم الشرق الأوسط، فيما يعيش قطاع الطيران أزمةً حادة منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعودة فرض العقوبات على طهران، في ظل نقص كبير في قطع الغيار وإلغاء تراخيص التصدير. ويبلغ إجمالي الطائرات المسجلة في إيران نحو 250 إلى 300 طائرة، أقل من نصفها فقط قادر على الطيران بسبب الضربات المباشرة في الحرب أو العقوبات، وذلك بحسب مقصود أسعدي ساماني، أمين عام اتحاد شركات الطيران الإيرانية.

4- التكنولوجيا:

تستهدف العقوبات سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية والبرمجيات، لمنع تطوير القدرات السيبرانية وأنظمة المسيّرات، وقطع الطريق على أي تطور تقني عسكري أو مدني. ويذكر تقرير وزارة الخزانة أن إيران “تحاول الوصول إلى تقنيات متقدمة ودمج هذه التقنيات في برامج أسلحتها المصنّعة محلياً”. وتشمل المعدات الليزر البصري ومقاييس التسارع. وتضم شبكة التوريد أكثر من 20 كياناً وفرداً في الشرق الأوسط وشرق آسيا، موزعين كالتالي: في هونغ كونغ 5 شركات، في الصين 3 أفراد وشركة واحدة، وفي إيران شركة واحدة لتسهيل الشحنات، علماً بأن الجهة المستفيدة النهائية هي جامعة مالك أشتر للتكنولوجيا ومنظمة SPND في إيران، وكلاهما خاضع لعقوبات سابقة.

5- الشحن البحري:

تتضمن العقوبات تجريم أي شركة تأمين أو إدارة موانئ عالمية تقدم خدمات لأسطول النقل الإيراني. ويحوز قطاع الشحن البحري الإيراني على الحصة الأكبر من العقوبات في تقرير وزارة الخزانة، والذي ورد فيه أن هذا القطاع يُستخدم لنقل مكونات الأسلحة الحساسة وأجزاء الصواريخ، بالإضافة إلى “نقل النفط بشكل غير قانوني” لصالح النظام والجيش. وذكر التقرير خمس ناقلات نفطية هي SIFRA (بوتسوانا) وG SILVER (الكاميرون) وQUANTUM HOPE (فانواتو) وVOYAGE ELITE وTELA (غامبيا)، وأفراد وسطاء مثل محمد أحمد سهيل فتّوح (سوري) وإيفان أوبوخوف (أوكراني – سبق ذكره أعلاه)، وشركات للخدمات البحرية والتزويد بالوقود مثل Azure Shipping (سنغافورة) و Mansoor Tayabbhai Gandhi(سنغافورة) وشبكة شركات Shipoil (هونغ كونغ والإمارات)، وشبكة شركات شامخاني (سنغافورة، الإمارات، سويسرا، فرنسا)، وغيرها.

ما الضرر الذي تلحقه بإيران؟

ولفهم مدى الضرر الذي تلحقه هذه العقوبات بإيران، يجب قراءتها في سياق الهشاشة البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني. وهذه الحزمة من العقوبات الجديدة لم تأتِ من فراغ، بل صُممت لضرب نقاط الضعف الأكثر إيلاماً في لحظة انهيار نقدي غير مسبوق، حيث سجل الريال الإيراني أكبر تراجعٍ في تاريخه، في نفس اليوم الذي أُعلِنت فيه عملية “العزل الاقتصادي”، إذ بلغ سعر صرف الدولار نحو مليوني ريال في الأسواق الموازية للمرة الأولى.

ومن شأن الموجة الجديدة من العقوبات، باستهدافها شبكات الصرافة والذهب والعملات الرقمية، أن تقطع الشرايين الأخيرة التي كانت تُغذي السوق الموازية بالعملة الصعبة، مما سيؤدي إلى موجة تضخم قد تخرج عن السيطرة تماماً. ومع تجميد الأصول الرقمية والذهب، وفقدان إيران القدرة على التحويل عبر شركات الصرافة، واستهداف قطاعي الطيران والشحن البحري، قد تتعطّل قدرتها على شراء السلع الأساسية والقمح والأدوية والمعدات الطبية، كما أنها تستورد نحو 80% من الأعلاف الحيوانية والحبوب والمواد الأولية لصناعات الأغذية والأدوية. وبهذا يتهدَّد الأمن الغذائي والصحي لعشرات الملايين من السكان.

كما تعاني المصانع المحلية من شلل إنتاجي حاد نتيجة العجز في إنتاج الغاز والكهرباء جراء العقوبات والحصار البحري إلى جانب الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت البنى التحتية المدنية. بالتالي، فإن حزمة العقوبات الجديدة لا تضرب النظام الإيراني فحسب، كما تدعو وتدّعي الإدارة الأميركية، بل تستهدف حياة كل مواطن إيراني بشكل مباشر.

ما هي الأوراق المتبقية لدى أميركا؟

على الرغم من ضراوة العقوبات الجديدة، إلا أن واشنطن ما تزال تحتفظ بأوراق ضغط إضافية في جعبتها، فهي لم تستهدف بعد قطاع البتروكيماويات الاستهلاكية (البلاستيك، المنظفات، الدهانات… إلخ). ورغم العقوبات على النفط والغاز الإيراني، نجحت إيران في تصدير المواد البلاستيكية والأسمدة عبر آلاف الشركات الصغيرة، وربما تلجأ واشنطن نحو تجريم “المستخدم النهائي” لهذه المواد عوضاً عن ملاحقة آلاف الشركات الصغيرة، وضرب سلاسل إعادة التعبئة في بلدان الشرق الأوسط وخاصة في تركيا والإمارات.

كما أن الأمن الغذائي لم يُستهدَف بشكل كامل بعد، فما تزال سلاسل التوريد الزراعية القائمة على المقايضة المباشرة (مقايضة الفستق والزعفران بالقمح والحبوب مثلاً)، وربما تلجأ إلى إجراءات متطرفة تتمثل في استهداف هذه السلاسل، مما يعني تعريض 93 مليون إنسان إلى أخطار سوء التغذية، وربما المجاعة في مرحلة متقدمة.

وتمتلك واشنطن أيضاً ورقة فرض عقوبات سيبرانية على مطوري البرمجيات بهدف الإمعان في عزل النظام المالي الرقمي الإيراني عن العالم. وبالإضافة إلى ذلك، هناك قطاعات التعدين والرخام والإسمنت والنقل البري الإقليمي.

بالطبع، لن تقف طهران مكتوفة الأيدي أمام هذه الهجمة الاقتصادية، التي لا تقل شراسةً ووحشيةً عن الغارات الجوية والأعمال الحربية العسكرية، بل ربما تفوقها بأضعاف المرات إذ تمس مباشرة حياة الملايين من الإيرانيين.

تحاول إيران “التكيّف” مع كل وضع جديد، بخاصة عبر الاعتماد على طرق التهريب والتجارة البرية مع دول الجوار. ويأتي في هذا السياق على المستوى الدبلوماسي أيضاً تفعيل المسار العُماني في مضيق هرمز ودعم جهود الوساطة الباكستانية.

أما واشنطن، فهي لا تستهدف طهران فحسب، ففي توسيعها للعقوبات الثانوية ضد إيران تستهدف الدول والأطراف التي لا تزال تتعامل معها، وعلى رأسها الصين رغم تراجع مشترياتها من النفط الإيراني إلى قرابة ثلث ما كانت عليه في العام 2025.

مصدرالمدن - هاني عضاضة
المادة السابقةهل تهدّد عودة سوريا إلى الاقتصاد العالمي دور لبنان؟
المقالة القادمةالتضخم في لبنان: لماذا يدفع اللبناني أكثر مما تكشفه الأرقام؟