لا تبدو الإشارات الخليجية الأخيرة تجاه لبنان مجرد خطوات اقتصادية منفصلة، بل توحي ببدء اختبار لمرحلة جديدة في العلاقة مع بيروت، عنوانها إعادة بناء الثقة من بوابة التجارة والاستثمار، بعد سنوات تراجعت خلالها العلاقات الخليجية مع لبنان تحت وطأة الأزمات السياسية والأمنية وتصاعد نفوذ حزب الله.
وتأتي دعوة وزير التجارة الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي مجتمع الأعمال اللبناني للاستفادة من المنظومة المتكاملة وشبكة الشركاء التجاريين والاستثماريين في دولة الإمارات، في توقيت يحمل دلالة خاصة. فالإمارات لا تعرض فقط فرصاً تجارية أمام الشركات اللبنانية، وإنما تقدم نفسها بوابة يمكن من خلالها إعادة وصل الاقتصاد اللبناني بشبكات التجارة والاستثمار الخليجية والدولية.
وتتزامن هذه الإشارة الإماراتية مع تطور آخر لا يقل أهمية، يتمثل في عودة صادرات المنتجات اللبنانية إلى السوق السعودية، بعد سنوات من القيود التي فرضتها الرياض على الواردات اللبنانية، خصوصاً المنتجات الزراعية، بسبب مخاوف مرتبطة بتهريب المخدرات عبر الشحنات التجارية.
خلال سنوات تصاعد نفوذ حزب الله، تراجعت مكانة لبنان في الحسابات الاقتصادية الخليجية. وانعكس التوتر السياسي على السياحة والاستثمار والتجارة، بعدما أصبح لبنان في نظر عواصم خليجية عدة ساحة نفوذ إيراني ومصدراً لمخاطر أمنية تتجاوز حدوده.
وكان قطاع السياحة أحد أبرز المتضررين. فالسائح الخليجي الذي شكل لعقود ركيزة أساسية من حركة السياحة اللبنانية تراجع حضوره، فيما انخفضت الاستثمارات الخليجية، وأصبحت العلاقات الاقتصادية رهينة إلى حد كبير لمسار العلاقة السياسية بين بيروت والعواصم الخليجية.
لكن التحولات التي شهدها لبنان أخيراً، وفي مقدمتها تراجع قبضة حزب الله على القرار السياسي والأمني، تفتح أمام الخليج فرصة لإعادة تقييم علاقته مع الدولة اللبنانية، من دون أن يعني ذلك أن مرحلة القطيعة انتهت بالكامل.
وهنا تكمن أهمية الخطوات الاقتصادية الأخيرة: الخليج لا يعود إلى لبنان دفعة واحدة، وإنما يختبر أولاً قدرة الدولة اللبنانية على توفير بيئة أكثر أمناً واستقراراً وموثوقية.
إذا تمكنت بيروت من اجتياز اختبار الثقة، فقد لا تتوقف العودة عند الصادرات. وربما تبدأ بعدها عودة السياحة والاستثمارات والشراكات الخليجية
تمثل عودة الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودية اختباراً عملياً لهذه المرحلة الجديدة.
فالسعودية فرضت في أبريل/نيسان 2021 حظراً على دخول الخضروات والفواكه اللبنانية، بعد إحباط محاولات لتهريب كميات كبيرة من حبوب الكبتاغون مخبأة داخل شحنات زراعية. ولم يكن القرار تجارياً بحتاً، بل ارتبط بأمن المملكة والثقة بقدرة الجانب اللبناني على ضبط عمليات التصدير.
لذلك فإن وصول المنتجات اللبنانية مجدداً إلى السوق السعودية يحمل معنى يتجاوز قيمة الشحنات الأولى. فالرياض تختبر قدرة بيروت على ضمان مصدر المنتجات ومحتوياتها ومسارها، ومنع استخدام القنوات التجارية في أنشطة غير مشروعة.
وإذا نجحت التجربة، فقد تتحول إلى نموذج يمكن البناء عليه لتوسيع التجارة واستعادة قطاعات أخرى حضورها في السوق السعودية، بما في ذلك المنتجات الصناعية والخدمات.
في المقابل، تبدو الرسالة الإماراتية أكثر ارتباطاً بالمستقبل. فدعوة مجتمع الأعمال اللبناني إلى الاستفادة من المنظومة التجارية والاستثمارية الإماراتية تفتح المجال أمام الشركات اللبنانية للانخراط مجدداً في شبكة اقتصادية خليجية واسعة.
وتحتاج الشركات اللبنانية إلى مثل هذه النوافذ في ظل أزمة اقتصادية ومالية عميقة أضعفت القدرة الإنتاجية ورفعت كلفة التمويل والطاقة والنقل والاستيراد. ومن شأن تنشيط الصادرات والاستثمارات أن يوفر للاقتصاد اللبناني عملات أجنبية وفرص عمل، ويساعد مؤسسات الإنتاج على استعادة جزء من قدرتها.
لكن الاستثمار الخليجي لن يتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها التجارة. فالمستثمر يحتاج إلى ضمانات تتعلق بالاستقرار السياسي والقانوني، وإصلاح القطاع المصرفي، وحماية الملكية، ووضوح قواعد السوق.
ويبقى قطاع السياحة أحد أكبر الاختبارات المقبلة. فلبنان يمتلك مقومات تجعله وجهة جذابة للسياح الخليجيين، لكن عودة هؤلاء تحتاج إلى شعور بالاستقرار والأمان، إلى جانب تحسن البنية السياحية والخدمات.
وقد تكون عودة السياحة الخليجية مؤشراً أكثر وضوحاً على أن العلاقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة، لأن السائح لا يتعامل مع لبنان بوصفه سوقاً تجارية فقط، وإنما يختبر مستوى الاستقرار والثقة بشكل مباشر.
ومن هنا، فإن الانفتاح الإماراتي وعودة الصادرات إلى السعودية يمكن النظر إليهما باعتبارهما بدايات لمسار أكبر، لا نتيجة نهائية.
فلبنان أمام فرصة لإعادة بناء علاقاته الاقتصادية الخليجية، لكن هذه الفرصة مرتبطة بقدرته على تقديم نموذج مختلف عن السنوات الماضية: دولة تضبط حدودها، تحمي التجارة، تمنع التهريب، وتوفر بيئة مستقرة للاستثمار.
وبالنسبة إلى الخليج، فإن الرهان لا يتعلق فقط بإنقاذ الاقتصاد اللبناني، وإنما بإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي داخل محيطه العربي.
وإذا تمكنت بيروت من اجتياز اختبار الثقة، فقد لا تتوقف العودة عند الصادرات. وربما تبدأ بعدها عودة السياحة والاستثمارات والشراكات الخليجية، لتتحول الاقتصاد إلى مدخل لإعادة بناء علاقة عربية جديدة مع لبنان، بعد سنوات طغت فيها السياسة والأمن على كل شيء آخر.



