باتت الأسواق الماليّة تعبّر بوضوح عن قلقها من مآلات الدين العام الأميركي، كما بدا واضحاً هذا الشهر من أسعار السندات، والعوائد عليها. وفي لغة الأرقام ما يبرّر هذا القلق، إذ تجاوز حجم هذا الدين في 20 آب الماضي حاجز الـ40 تريليون دولار أميركي، أي ما يوازي 120 بالمئة من حجم الاقتصاد الأميركي. وبذلك، أصبح نصيب الفرد من هذا الدين، في الولايات المتحدة، يتجاوز 113 ألف دولار أميركي.
والهواجس هنا لا تتصل بحجم هذا الدين فقط، بل بوتيرة ارتفاعه أيضاً. فآخر تريليون دولار إضافي، من هذه الديون، تراكمت خلال فترة لم تتجاوز الثلاثة أشهر. وبهذه الوتيرة، قد ترى الأسواق ارتفاعاً جديداً في هذا الدين بقيمة 4 تريليونات، خلال فترة لن تتجاوز السنة. ومع ارتفاع قلق الأسواق، انخفض سعر سندات الدين الأميركي، ما رفع العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات إلى حدود 5.2 بالمئة (للسندات التي تستحق خلال 30 سنة).
مؤشّرات أميركيّة مُقلقة
في 19 آب الماضي، تلمّست الأسواق خطورة ما يجري. فوزارة الخزانة الأميركيّة فاجأت الجميع بقرار مضاعفة حجم عمليّات إعادة شرائها للسندات الطويلة الأجل، من ملياريّ دولار أميركي، إلى أربعة مليارات دولار أميركي للعمليّة الواحدة، ابتداءً من 9 أيلول المقبل. وبذلك، كانت الوزارة توسّع من حجم تدخّلها في السوق، عبر شراء السندات، للتعويض عن بيع المستثمرين لهذه السندات.
ومن المعلوم أن بيع السندات من قبل المستثمرين يؤدّي إلى خفض أسعارها السوقيّة، ما يرفع العائد المتوقّع منها، أي الهامش (الفارق) ما بين السعر السوقي اليوم وقيمة تسديد السند عند الاستحقاق مستقبلاً. وكل انخفاض في أسعار السندات، بفعل المخاطر المتوقعة، وكل ارتفاع في العائد المتوقّع، سيُجبر الحكومة الأميركيّة على منح فوائد أعلى للمستثمرين عند الاستدانة من جديد.
في النتيجة، أدى تدخّل وزارة الخزانة إلى تحسين أسعار السندات لفترة قصيرة، قبل أن تعود العوائد للارتفاع بعدها. وبذلك، بدا واضحاً أن المستثمرين فسّروا هذا التدخّل كإشارة ضعف، وعلامة مقلقة، تماماً كما هو الحال بالفعل. وهذا ما جعل القرار جزءاً من عوارض “أزمة الدين”، بدل أن يكون أداةً لمعالجة تداعياتها.
إلى جانب هذه الأحداث، ظهرت مؤشّرات مقلقة أخرى. فالعجز المالي الأميركي قفز إلى حدود 432.3 مليار دولار أميركي خلال شهر تموز، ما شكّل أعلى مستوى له منذ ربيع العام 2021. وبعد تسجيل هذا العجز، ارتفع العجز التراكمي منذ بداية السنة إلى نحو 1.8 تريليون دولار أميركي، ما أشّر إلى أنّ أزمة الدين العام الأميركي ستتفاقم على المدى المتوسّط.
وفي واقع الأمر، بات ارتفاع حجم الدين نفسه جزءاً من أسباب ارتفاع العجز المالي، الذي سيفرض زيادة الاستدانة في المستقبل. فمن أصل كل سبعة دولارات تنفقها الحكومة الأميركيّة حالياً، هناك دولار واحد يذهب لخدمة الدين الموجود أساساً، ما يعني أن الولايات المتحدة باتت تضطر للاستدانة لتغطية فوائد الدين الموجود.
تراكم الدين: أزمة للعالم
إذا كان الدين الأميركي التزاماً على واشنطن، فتراكمه سيكون أزمة للعالم بأسره. ففوائد سندات الخزانة الأميركيّة تُستخدم كمعيار مرجعي تُقاس على أساسه كلفة الاستدانة في كل مكان تقريباً، لكونها عملياً الاستثمار الأقل خطورة على الإطلاق. وهذه الوضعيّة، كاستثمار منخفض المخاطر، اكتسبتها السندات بالنظر إلى كون الولايات المتحدة الأميركيّة تُصدر العملة الخضراء، التي يتم على أساسها تقويم السندات نفسها، ما يجعل احتمال التعثّر معدوم تقريباً.
مع انخفاض أسعار السندات الأميركيّة، وارتفاع العائد والفوائد عليها، ترتفع الفوائد في كل مكان في العالم. فأي مستثمر سيقارن العوائد والمخاطر المرتبطة باستثماراته في أماكن أخرى، بالعائد الذي سيحصل عليه من الخزانة الأميركيّة، عند شراء سندات الدين الأميركي. وكلما ارتفعت الفوائد في الولايات المتحدة، سيطلب المستثمرون عوائداً أعلى لإقراض الدول النامية، أو حتّى الدول المتقدمة الأخرى.
والنتيجة هنا، ستكون سلسلة من التأثيرات المتشابكة، التي ستصيب دول العالم. فارتفاع الفوائد سيرفع كلفة خدمة الديون، ما سيجبر دول العالم على تخفيض نفقاتها الأخرى، أو رفع الضرائب المفروضة محلياً. وعلى النحو نفسه، سيعاني القطاع الخاص من ارتفاع كلفة الاقتراض لتمويل المشاريع الجديدة، ما سيخلق ضغوطاً على النمو الاقتصادي في كل مكان تقريباً. والأخطر من ذلك، هو أن الكثير من الحكومات والشركات في الدول النامية مدينة أصلاً بالدولار، ما قد يفرض تعثّر هذه الدول والحكومات في المستقبل بسبب ارتفاع خدمة الدين.
أمّا الجانب الآخر من المشكلة، فيرتبط بما يُعرف بالأموال الساخنة، أي التوظيفات السائلة التي سهل نقلها بين الدول بحثاً عن المردود الأعلى. وكل ارتفاع في عائدات السندات الأميركيّة، سيجعل هذه الأموال الساخنة تفضّل البقاء في الولايات المتحدة، أو الأسواق الغربيّة، أو حتّى العودة إليها من الدول النامية، بحثاً عن العائد الأعلى.
وهذا الخروج المفاجئ لرؤوس الأموال يضرب الأسواق الناشئة من عدّة اتجاهات: فهو يخفّض أسعار الأسهم والسندات المحليّة، ويُضعف العملة المحليّة، ويحرم المصارف المركزيّة من احتياطاتها، وهو ما يجبر المصارف المركزيّة في الدول الناشئة على رفع فوائدها للحد من خروج الرساميل. والفوائد المرتفعة، وإن نجحت في حماية العملة مؤقتاً، فهي تأتي على حساب النمو الاقتصادي المحلي، لأنها ترفع كلفة التمويل على الشركات والأفراد داخل هذه الدول نفسها.
نوعيّة المخاطر
ثمّة نقطة أساسيّة تبعد الولايات المتحدة عن سيناريو الإفلاس الكلاسيكي، الذي عرفته دول أخرى. فواشنطن، وبخلاف الدول النامية التي تقترض بالدولار، تقترض بعملتها هي. وبهذا المعنى، فإن احتمال التعثّر التقني، أي العجز الفعلي عن السداد، يبقى شبه معدوم، لأن الخزانة الأميركيّة تستطيع نظرياً أن تؤمن كل الدولارات اللازمة لتسديد أي دين، مهما بلغ حجمه.
لكن هذه القدرة لا توفّر مخرجاً حاسماً من الأزمة، بل يبقى السؤال: بأي ثمن سيأتي هذا السداد. وهنا، ستجد واشنطن نفسها أمام خيارين، كلاهما مكلف. الخيار الأوّل، هو أن تدع التضخم يفعل فعله في الدين، أي أن تسمح لقيمة الدولار الشرائيّة بالتآكل تدريجياً، فيصبح الدين القائم أقل وطأة، حتى لو بقيت القيمة الإسميّة كما هي. وهذا خيارٌ مغرٍ، لكونه لا يحتاج إلى قرار سياسي صريح. أمّا الخيار الثاني، فهو مواجهة التضخم برفع الفوائد. لكن رفع الفوائد، في بيئة يبلغ فيها الدين 40 تريليون دولار، سيرفع كلفة خدمة الدين نفسه، ما يغذّي المشكلة من جديد، كما سيتسبب بتباطؤ العجلة الاقتصاديّة.
وبين هذين الخيارين، ستكون واشنطن محكومة بمعادلة لن تنتج حلاً مريحاً. فإما أن تختار تضخماً يعيد توزيع الكلفة على كل من يحمل الدولار، أو أن تختار فوائد مرتفعة تبطئ اقتصادها وتثقل ميزانيتها أكثر. وهذا ما يجعل أزمة الدين الأميركي مختلفة عن أي أزمة ديون سياديّة معتادة.



