وسط استمرار النقاش حول كيفية توزيع خسائر الانهيار المالي وإعادة الودائع إلى أصحابها، يبرز رقم الـ8 مليارات دولار كأحد أكثر الأرقام حساسية في معادلة الفجوة المالية، نظراً إلى الجدلية القائمة حوله: من حصة من سيُحتسب؟ ومن يتحمّل مسؤولية ردّ هذا المبلغ؟
أظهرت دراسة شركة الاستشارات العالمية «أنكورا» الصادرة حديثاً أن الاحتياطيات الإلزامية لمصرف لبنان، البالغة نحو 10,75 مليارات دولار، والتي تعتبر من حصة مصرف لبنان كما جاء في قانون الفجوة المالية، من شأنها أن ترفع حصة المصارف من 28% إلى 44%. وتتوزّع حصة المصارف في عملية تسديد الودائع البالغة 82 مليار دولار، قبل اقتطاع الشوائب منها، بين 40% نقداً للمودعين الصغار لغاية الـ100 ألف دولار وللحسابات المتوسطة والكبيرة. أما نسبة 20%، فتُسدّد للودائع التي تفوق الـ100 ألف دولار من خلال شهادات مالية مدعومة بأصول تعرف بـ ABS (Asset Backed Securities).
وبذلك تكون حصة المصارف التي يجب أن تسدّدها نقداً للمودعين الذين لديهم حسابات دون الـ100 ألف دولار، خلال فترة 4 سنوات، بقيمة 9,2 مليارات دولار، فيما ستكون حصتها حوالي 7,4 مليارات خلال السنوات التي ستُعاد فيها الودائع عبر السندات المالية بين 5 و20 سنة، ليكون مجموع الأموال التي ستدقعها المصارف، حوالي 16,6 مليار دولار، أي ما نسبته 43,4% من 60 مليار دولار.
وبذلك، لا تبدو معركة الـ8 مليارات دولار مجرد خلاف حسابي حول بند في مشروع قانون الفجوة المالية، بل هي في جوهرها خلاف على تحديد نسب توزيع الخسائر على الاطراف المعنية. احتساب هذه الأموال من حصة مصرف لبنان يخفّف عبء توفير الأموال عليه، ويصعّب المهمة على المصارف التي تجد نفسها عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها. والعكس صحيح، في حال احتُسبت من حصة المصارف، إذ يخفّض ذلك العبء عن البنوك ويضعف قدرة مصرف لبنان على الوفاء بالتزاماته… تحميل هذه الأموال للمصارف سيضعها أمام حالة من العجز عن تأمين حصتها من السيولة المطلوبة لإعادة الودائع.
في المحصلة، يبقى مصير هذا المبلغ مرتبطاً بتوزيع المسؤوليات حسب القدرة على التسديد، مع الاعتماد على تحقيق معادلة متوازنة لا تكتفي بنقل الخسائر من جهة إلى أخرى، بل تضمن فعلياً استعادة حقوق المودعين. فالمعضلة ليست في تحديد مكان تسجيل الـ8 مليارات دولار على الورق، وإنما في الإجابة عن السؤال الأهم: من يملك هذه الأموال اليوم، ومن يملك القدرة على إعادتها إلى أصحابها؟
في مشروع قانون الفجوة، أُدرجت الـ8 مليارات دولار في التوظيفات الإلزامية ضمن مساهمة مصرف لبنان. لكن ملكية هذه الأموال وطريقة احتسابها في توزيع الخسائر موضع خلاف أساسي، لأن هذه التوظيفات تمثّل في الوقت نفسه التزاماً على مصرف لبنان تجاه المصارف، والمصارف مدينة بهذه الأموال للمودعين.
وهنا تكمن أهمية تفكيك هذا الرقم، ليس فقط لمعرفة حجمه، بل لتحديد صاحب الحق فيه والجهة التي ستُحمَّل كلفته في قانون الفجوة المالية.
المصارف تعتبر أن نحو 8 مليارات من التوظيفات الإلزامية هي أصلاً من التزامات مصرف لبنان تجاه المصارف، وهي نفسها من التزامات المصارف تجاه زبائنها؛ وبالتالي تطالب بألا تُحتسب هذه الأموال كمساهمة مستقلة لمصرف لبنان على حسابها.
في ظلّ هذه الجدلية القائمة، يقول المستشار الاقتصادي ورئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية منير راشد لـ«نداء الوطن» أن «هذه الأموال تعود في الحقيقة إلى المودعين، لأن المصارف وضعتها لدى مصرف لبنان من أموال المودعين، سواء تلك التي تُسمّى احتياطات، والبالغة نحو 8 مليارات دولار، أو تلك البالغة نحو 70 مليار دولار، أي ما مجموعه نحو 78 أو 80 مليار دولار. وهذه في الأساس أموال المودعين»، ولفت إلى أن «مصرف لبنان يعترف بأن إجمالي ما وضعته المصارف لديه يوازي تقريباً 80 مليار دولار، بين شهادات الإيداع وبين ما يسمّيه “احتياطياً”، وهي في الحقيقة توظيفات وليست احتياطياً، وبالتالي، فإن هذه الأموال كلها تعود إلى المودعين».
فالأموال الموجودة في احتياطي مصرف لبنان هذه هي توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان. كان الحاكم السابق يطلب من المصارف إجراء ما يُسمّى «توظيفات»، لأنها ليست احتياطات بالمعنى القانوني. فقانون النقد والتسليف يفرض احتياطياً إلزامياً على الودائع بالليرة لدى المصارف، لكنه لا يمنح مصرف لبنان صلاحية فرض احتياطي إلزامي على الودائع بالدولار. إلا أن مصرف لبنان لم يكن يملك دولارات كافية، ولذلك كان يطلب من المصارف إجراء توظيفات لديه.
إذاً، عندما نتحدث عن الفجوة، يجب أن نحدد مقدار الأموال التي سيعيدها مصرف لبنان إلى المودعين، وخلال أي فترة زمنية. علماً أن مصرف لبنان يستخدم هذه الأموال لإعادة تسديد الحسابات وفق التعميمين 158 و166.



