الرئيسية اقتصاد دولی لماذا بدأت الديون الأميركية تُثير القلق؟

لماذا بدأت الديون الأميركية تُثير القلق؟

تعود التحذيرات المتشائمة بشأن تزايد ديون الولايات المتحدة الأميركية إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأت الحكومة الأمريكية تعاني من عجز مستمر في الميزانية. وفي أواخر العقد التالي، وضع مطور عقاري قلق في نيويورك “ساعة الدين الوطني” في ميدان تايمز سكوير. لم تتحقق أي من هذه التحذيرات، فمثل قصة الراعي الكذاب، أصبحت مجرد ضجيج في الخلفية، يسهل تجاهله. والآن، كما في الحكاية، يقترب الخطر.

ونشر روشير شارما، رئيس روكفلر إنترناشيونال ومؤلف كتاب “ما الخطأ الذي حدث في الرأسمالية”، مقالاً في فايننشال تايمز يحذر فيه من أن إسراف الولايات المتحدة في الديون بدأ يتحول من تحذير قديم متكرر إلى خطر فعلي قد يضرب الأسواق، وأول المتضررين قد يكون طفرة الذكاء الاصطناعي.

ويرى شارما أن تحذيرات الديون الأميركية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين بدأت واشنطن تسجل عجزاً مزمناً. حتى ساعة الديون الشهيرة في تايمز سكوير لم تحقق أثرها المتوقع، فتحولت التحذيرات إلى ضجيج مألوف. أما الآن، فالوضع مختلف. بيع عالمي في سندات الحكومات الشهر الماضي كان إشارة أولى، والتأثير المادي الأول قد يكون ارتفاع تكلفة الاقتراض الأميركي بما يكفي لقطع التمويل عن طفرة الذكاء الاصطناعي.

ويستند رأيه إلى تاريخ الفقاعات. على مدى ثلاثة قرون، انتهت الفقاعات الكبرى حين ارتفعت تكلفة الاقتراض على الشركات في قلب الظاهرة، سواء في سكك الحديد في القرن التاسع عشر أو في عصر البنوك المركزية الحديثة حين رفعت أسعار الفائدة قصيرة الأجل بحدة.

وهذه المرة يختلف المشهد في نقطة جوهرية: الحكومة هي من راكمت الديون بإفراط، لا الشركات في البداية. واشنطن تسجل عجزاً بنحو 6% من الناتج المحلي هذا العقد، أي أكثر من ضعف متوسط العقود السابقة. أما الشركات والأسر فظلت متحفظة نسبياً حتى العام الماضي، حين بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى تقترض لتمويل مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بعد تراجع فوائضها النقدية.

ديون هذه الشركات لا تزال قابلة للإدارة، لكن الإفراط الحقيقي تراكم في دفاتر الحكومة. الرقم الأخطر عنده هو مدفوعات الفائدة على الدين العام. وخلال خمس سنوات تضاعفت إلى أكثر من 3% من الناتج، وهو رقم قياسي أميركي وأعلى زيادة إلى أعلى مستوى بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى.

هذا الضغط، مع عوامل أخرى مثل ارتفاع أسعار الطاقة، دفع عوائد السندات الحكومية للارتفاع عالمياً، ورفع تكلفة التمويل على شركات الذكاء الاصطناعي التي تمثل الجزء الأكبر من إصدارات الديون الشركاتية الجديدة.

رأي شارما الصريح أن طفرة الذكاء الاصطناعي تحمل كثيراً من سمات الفقاعة، لكنها ستستمر في الانتفاخ إلى أن تصل أسعار الفائدة إلى مستوى مانع. المعيار الذي يراقبه هو عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، المعيار العالمي لتكلفة الاقتراض طويل الأجل، والذي كان عند 4.8%. وإذا اخترق مستوى 5% بشكل حاسم، وهو الحد الأعلى لنطاقه منذ حقبة فقاعة الإنترنت، فقد تنفجر الفقاعة. عندها ستجد شركات التكنولوجيا الكبرى نفسها تتنافس مع حكومة تدفع أكثر من 5% على سنداتها، أي عائداً حقيقياً يتجاوز 2.5% بعد تعديل توقعات التضخم.
وكثير منها سيُزاح من أسواق الدين.

ويضيف أن الإيرادات السنوية المقدرة من استخدام الذكاء الاصطناعي تبلغ نحو 200 مليار دولار هذا العام، مقابل إنفاق يتجاوز تريليون دولار على المراكز والبنية التحتية. الفجوة تُموَّل بإصدارات سندات وأسهم جديدة. عائد فوق 5% سيبطئ القناتين معاً. كما أن هذا المستوى سيتجاوز عائد أرباح سوق الأسهم الأميركية، وهو تاريخياً رياح معاكسة للأسهم.

وإذا بقي العائد فوق 5%، فستتجاوز تكلفة خدمة الدين الأميركي معدل النمو الاسمي المتوقع للاقتصاد، فيصبح الدين أقل استدامة.
سرعة الصعود مهمة أيضاً: إذا تجاوز 5% بحلول نوفمبر، يكون الارتفاع قد تجاوز 75 نقطة أساس خلال ستة أشهر، والقفزات بهذا الحدة أنهت تاريخياً الأسواق الصاعدة.

يرفض شارما المقارنة السهلة مع تسعينيات القرن الماضي، حين بقي العائد فوق 5% مع نمو قوي وعوائد جيدة للأسهم. أميركا آنذاك لم تكن مدمنة على الدين بهذا الشكل، وانتهى العقد بفائض حكومي. اليوم تضاعف الدين العام تقريباً ثلاث مرات ليصل إلى نحو 100% من الناتج، وتكلفة خدمته أعلى بكثير، لذا سيضغط الاقتراض الحكومي على بقية المقترضين أسرع ويضرب أسواق الذكاء الاصطناعي بقوة أكبر.

أما الحديث عن فقدان الدولار مكانته كعملة احتياطية أو تراجع المكانة الأميركية، فيراه مبكراً جداً، لأن المنافسين الكبار يواجهون مشكلات دين مشابهة. ما يستحق المراقبة الآن، في رأيه، هو سرعة اختراق عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 5%، والتهديد الذي يمثله ذلك لطفرة الذكاء الاصطناعي.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةهرمز المضطرب يفتح للعقبة طريقاً جديداً
المقالة القادمةالشتاء قادم: أزمة الغاز الطبيعي المسال التي لا يمكن لأوروبا تجاهلها