لا تبدو الخطوة التي تبدأها جيبوتي وإثيوبيا بوضع حجر الأساس لمحطة جديدة لتخزين المنتجات النفطية مجرد مشروع لتحسين إمدادات الوقود، بل جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تشكيل ممر الطاقة والتجارة في القرن الأفريقي، انطلاقاً من موقع جيبوتي على البحر الأحمر وباب المندب وصولاً إلى السوق الإثيوبية الضخمة.
وتكتسب الخطوة أهميتها من طبيعة العلاقة بين البلدين. فإثيوبيا دولة غير ساحلية تعتمد بدرجة كبيرة على البنية التحتية الجيبوتية للوصول إلى الأسواق البحرية، فيما تسعى جيبوتي إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى مركز إقليمي للموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة.
المشروع الجديد يضيف إلى هذه المعادلة بعداً أكثر حساسية: الطاقة.
فالمحطة التي تطورها مجموعة «دانغوتي» بالشراكة مع «Ethiopian Investment Holdings» ستقام في المنطقة الصناعية بداميرجوغ، باستثمار يبلغ نحو 160 مليون دولار، وبقدرة تخزين تصل إلى 375 ألف متر مكعب، مع إمكانية مناولة خمسة ملايين طن من المنتجات النفطية سنوياً. كما سترتبط بالميناء وبشبكة السكك الحديدية، قبل أن يتصل بها خط أنابيب متعدد المنتجات يمتد نحو 120 كيلومتراً إلى منطقة دَويلي في شرق إثيوبيا.
تكشف تفاصيل المشروع عن مشكلة عملية يحاول البلدان معالجتها قبل أن يكونا أمام مشروع استراتيجي كبير.
إثيوبيا تشهد ارتفاعاً في الطلب على الوقود، فيما وصلت قدرات التخزين القائمة إلى مستويات ضغط مرتفعة. ووفق السلطات الجيبوتية، كانت نحو 350 شاحنة يومياً تنقل المنتجات النفطية باتجاه إثيوبيا، بينما تواجه المنشآت الحالية قيوداً في التخزين وارتفاعاً في تكاليف انتظار ناقلات النفط.
ومن هنا يأتي خط الأنابيب ليغير طبيعة الممر. فبدلاً من أن تصل المنتجات إلى الميناء ثم تعتمد بصورة واسعة على النقل البري، يمكن نقل كميات أكبر بصورة أكثر انتظاماً إلى الداخل الإثيوبي.
وهذا التحول لا يتعلق فقط بتقليص عدد الشاحنات أو خفض التكلفة. فخطوط الأنابيب توفر، من حيث المبدأ، قدرة أكبر على استقرار التدفقات، بينما يمنح التخزين قرب الميناء إثيوبيا هامشاً أوسع في إدارة مخزوناتها وتأمين احتياجات السوق.
وبالنسبة إلى جيبوتي، يعني ذلك أن قيمة الميناء لا تتوقف عند استقبال السفن، بل تمتد إلى التحكم في سلسلة متكاملة تبدأ من الرصيف وتنتهي بالسوق الإثيوبية.
هنا تظهر الرهانات الأوسع لجيبوتي.
فميناء داميرجوغ للسوائل يمتلك قدرة مناولة سنوية معلنة تصل إلى 25 مليون طن، ويضم بنية تسمح بربط منشآت التخزين بشبكات النقل. وفي مارس الماضي، أبدت إثيوبيا اهتماماً بنقل جزء من عمليات تخزين منتجاتها النفطية إلى داميرجوغ، فيما طلبت «Ethiopian Investment Holdings» لاحقاً تخصيص مساحة لإنشاء مستودع وقود بطاقة أولية تبلغ 150 ألف متر مكعب.
والمعنى الاقتصادي لذلك أن داميرجوغ يتجه تدريجياً من مجرد ميناء إلى عقدة لوجستية للطاقة.
وهذا يرفع قيمة الموقع بالنسبة إلى جيبوتي، التي تنافس في منطقة تتقاطع فيها موانئ وممرات تجارية عديدة، فيما يمثل استقرار حركة التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر وباب المندب عاملاً أساسياً في حسابات المستثمرين والدول المطلة على المنطقة.
لكن الرهان الجيبوتي لا يتوقف عند السوق الإثيوبية. فكلما توسعت منشآت التخزين والأنابيب والموانئ، أصبح من الممكن بناء خدمات إضافية حولها، من النقل والتوزيع إلى المعالجة والتصنيع والتجارة الإقليمية.
إذا نجحت جيبوتي في الجمع بين الميناء والتخزين وخطوط الأنابيب، فإنها تقترب من بناء ممر متكامل للطاقة والتجارة يخدم أسواقاً أوسع في شرق أفريقيا
الأكثر أهمية في المشروع هو أنه يفتح الباب أمام الحديث عن ممر طاقة متعدد الاستخدامات.
فإثيوبيا تمتلك موارد غازية في منطقة أوغادين، وسبق أن طُرحت مشروعات لنقل الغاز إلى جيبوتي ومعالجته أو تسييله وتصديره عبر داميرجوغ. وفي أكتوبر 2025، عرضت شركة GCL خططاً لتطوير الغاز في أوغادين وتصديره عبر ميناء داميرجوغ، مع منشأة عائمة للتخزين والتسييل.
كما أن خطط تطوير الغاز في الداخل الإثيوبي ترتبط بمشروعات صناعية أخرى، بينها الأسمدة والطاقة، ما يجعل توفر ممر تصدير ونقل فعال إلى الساحل عاملاً يمكن أن يوسع الجدوى الاقتصادية لهذه الموارد.
لكن من المهم عدم القفز من مشروع النفط الحالي إلى اعتبار تصدير الغاز أمراً محسوماً. فمشروعات الغاز الإثيوبية واجهت في السابق تحديات تتعلق بالتمويل والبنية التحتية والأسواق، ولذلك فإن الحديث عن الغاز يمثل أفقاً محتملاً للممر الجديد أكثر منه نتيجة مضمونة للمشروع النفطي.
وتزداد أهمية هذه المشاريع بسبب الموقع الجغرافي لجيبوتي. فالبلد الصغير يقع عند واحدة من أكثر نقاط الملاحة حساسية في العالم، على مقربة من باب المندب، بينما تمثل إثيوبيا أحد أكبر الأسواق في شرق أفريقيا.
وإذا نجحت جيبوتي في الجمع بين الميناء والتخزين والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب، فإنها لا تعزز فقط دورها كبوابة لإثيوبيا، بل تقترب من بناء ممر متكامل للطاقة والتجارة يخدم أسواقاً أوسع في شرق أفريقيا.
وهنا تتجاوز المسألة الحسابات الثنائية بين أديس أبابا وجيبوتي. فالمشروع يمكن أن يصبح جزءاً من إعادة رسم خريطة الممرات الاقتصادية في القرن الأفريقي، حيث تتنافس الدول على جذب الاستثمارات وتوفير أقصر الطرق وأكثرها كفاءة بين الموارد والأسواق والموانئ.
ولا يعني ذلك أن ممر الطاقة الجديد أصبح واقعاً مكتملاً. فما زال نجاحه مرتبطاً بتنفيذ خط الأنابيب وتشغيل المحطة، واستمرار الاستثمارات في الميناء والسكك الحديدية، وضمان أمن المنشآت وخطوط النقل، فضلاً عن قدرة إثيوبيا على الحفاظ على طلب مستقر وكبير.
لكن وضع حجر الأساس يضيف لبنة مهمة إلى مشروع أكبر: تحويل جيبوتي من منفذ بحري لإثيوبيا إلى بوابة طاقة لها.
وبذلك قد يكون النفط هو نقطة البداية فقط. فإذا اكتملت شبكة التخزين والأنابيب وربطت الساحل بالداخل، يصبح انتقال الممر مستقبلاً إلى الغاز والمنتجات الصناعية والطاقة احتمالاً أكثر قابلية للنقاش.
في القرن الأفريقي، حيث تلتقي الجغرافيا بالموانئ والطاقة والتجارة، لا تقاس أهمية خط الأنابيب بطوله فقط، وإنما بما يمكن أن يبنيه حوله من شبكة اقتصادية جديدة.



