كل معركة في لبنان تتحوّل إلى معركة سياسية، حتى حين يتعلّق الأمر بالدواء، الذي بات جزءاً من «البازار» السياسي والطائفي. فقد أثار تسجيل وزارة الصحة أدوية للأمراض السرطانية والمُزمنة جدلاً واسعاً أخيراً، بعدما زُعم أن بعضها لم يستوفِ الشروط المطلوبة، وصولاً إلى اتهام الوزارة بالتساهل في تسجيل أدوية مُزوّرة أو غير فعّالة.
ومع اتساع الجدل، خرجت الوزارة أمس عن صمتها لتوضح آلية تسجيل الأدوية والجهات المعنية بتقييمها. وعقد وزير الصحة ركان ناصر الدين مؤتمراً صحافياً عرض فيه آلية تسجيل الأدوية المُستعصية والمُزمنة، مؤكداً أن معيار الوزارة الأول هو سلامة الدواء وفعّاليته. وكان لافتاً أن ناصر الدين جمع في المؤتمر «أقطاب» الصحة في لبنان، من نقيب المستوردين جو غريّب، ونقيب صيادلة لبنان الدكتور عبد الرحمن مرقباوي، ونقيبة المصانع الوطنية الدكتورة كارول أبي كرم، إلى نقيب الأطباء الدكتور إلياس شلالا، والمدير العام لوزارة الصحة الدكتور وئام أبو حمدان. حضور منح مشروعية لما أعلنه الوزير، وعكس تعدّد الجهات المشاركة في مسار تسجيل الدواء، وقطع الطريق على اختزال الملف بالوزارة وحدها، ولا سيما أن لكل من هذه الجهات دوراً في هذا المسار.
ولم يكن المؤتمر دفاعاً عن الوزارة بقدر ما كان محاولة لإخراج ملف الدواء من التجاذب السياسي والطائفي. فالقضية تتصل أولاً بحق المرضى في الحصول على علاج متوافر، بسعر مقبول، وبمعايير جودة مضمونة. معادلة بسيطة، لكنها كادت تشعل حرباً: كيف لوزير أن يلغي امتيازات ويكسر احتكار بعض تجار الدواء، في مقابل فتح الباب أمام تسجيل أدوية بديلة للأدوية الأصلية؟ وقد جاء اعتراض هؤلاء دفاعاً عن الاحتكار، لا من باب الحرص على الناس وحقهم في العلاج. ولعلّ جزءاً مما تتعرّض له الوزارة اليوم يرتبط بمحاولة كسر هذا الاحتكار عبر السماح بإدخال أدوية بديلة، علماً أن هذه الأدوية لا تمثّل سوى 20% من فاتورة الإنفاق، فيما تذهب 80% إلى الأدوية الأصلية «البراند»، أو، وبعبارة أخرى، إلى أصحاب الشركات الكبرى، إذ إن أكثر من نصف الأدوية السرطانية والمُزمنة المُسجّلة في لبنان هي أدوية أصلية (56%)، مقابل 44% للأدوية البديلة، في وقت اتجهت دول أخرى، من بينها الولايات المتحدة مثلاً، إلى توسيع الاعتماد على البدائل على حساب الأدوية الأصلية.
ارتفعت كميات الأدوية المصروفة بين عامي 2024 و2026 من 77 ألف علبة إلى 216 ألفاً ومن ثمّ 410 آلاف حالياً
ومن هذا الباب، تحاول وزارة الصحة تصحيح هذا الاختلال عبر قرارات تسمح بتسجيل أدوية بديلة للأدوية الأصلية، مع الحفاظ على طرفي المعادلة: الجودة والسعر، وإن كانت كفّة الجودة، بحسب ناصر الدين، «تتفوّق في الأهمية على السعر». ويترافق ذلك مع كفّة ثالثة تتمثّل في تحقيق وفر في الموازنة، بما يتيح توسيع قاعدة المستفيدين من الأدوية.
وعلى أساس هذه المعادلة، بُنيت آلية تسجيل الدواء، وانعكس أثرها على المرضى بالأرقام لا بالشعارات. فبين عامي 2024 و2026، ارتفعت كميات الأدوية المصروفة من 77 ألف علبة إلى 216 ألفاً، ثم إلى 410 آلاف حالياً، أي بنحو 400%، ما سمح بتوسيع البروتوكولات العلاجية وزيادة عدد المستفيدين من 19 ألفاً إلى أكثر من 28 ألف مريض. كما ارتفع عدد الأدوية المُعتمدة من 116 إلى 186 دواء، أي بنسبة 57%. وحقّقت هذه السياسة وفراً لم يأتِ من الأدوية البديلة وحدها، بل طاول أيضاً قائمة الأدوية الأصلية، عبر دفع الشركات الكبرى إلى خفض أسعارها. ومن الأمثلة تحقيق وفر بقيمة ثلاثة ملايين دولار في مناقصة عام 2026، بعد خفض سعر دواء أصلي من 2300 إلى 1693 دولاراً.
أمّا آلية التسجيل، فيؤكد ناصر الدين أنها لا تخضع لقرار الوزارة وحدها، بل تدرسها لجان تضم اختصاصيين وخبراء، وتتحقّق من النتائج بالاستناد إلى مُختبرات مرجعية. والمشكلة، وفق طرحه، أن التسجيل ليس «شغلة الوزارة» وحدها، بل يحتاج إلى تفعيل الوكالة الوطنية للدواء والمُختبر المركزي، باعتبارهما الجهة التي تحسم الجدل علمياً. وفي هذا الاتجاه، تواصل الوزارة الضغط لتفعيل هذين المرفقين، وقد انتزعت قراراً من مجلس الوزراء لاعتماد المُختبر المركزي في الجامعة اللبنانية مرجعاً في هذا المجال.
الحرب على أدوية «الجينيريك»: وِفرٌ بملايين الدولارات
النار الإعلامية والسياسية التي فُتحت كانت بسبب إشكاليات رافقت تسجيل بعض أدوية الأمراض السرطانية والمزمنة، ذات المنشأ الهندي والصيني، تستوردها شركة «Levant Pulse». والأدوية الهندية هي: «Adalirel» لعلاج الروماتيزم، و«Retuxirel» و«Trasturel» و«Bevacerel» لعلاج الأمراض السرطانية. والدواء الصيني هو «Nintava» لعلاج السرطان أيضاً. وجميعها مصنّفة أدوية «Biosimilar»، أي بديلة أو «جنيريك».
وفقاً لمعلومات «الأخبار»، بدأت القصة في العام 2024، في أثناء ولاية وزير الصحة السابق فراس أبيض. حينها، فازت في المناقصة أدوية السرطان الهندية الثلاثة (Retuxirel, Trasturel, Bevacerel) بكلفة سنوية قيمتها 2 مليون دولار. بذلك، حققت الوزراء وِفراً يقدر بـ8 ملايين دولار. فـ«Trasturel»، هو بديل دواء «Tratuzumab»، الذي كانت تشتري العلبة منه بـ700 دولار، وبتكلفة سنوية قيمتها 4 مليون و200 ألف دولار.
و«Bevacerel» هو بديل «Bevacezumab» الذي كانت تشتريه بـ600 دولار للعلبة، وبتكلفة سنوية قيمتها 3 ملايين و600 ألف دولار. و«Retuxirel» هو بديل «Retuximab» الذي كانت تشتريه بـ500 دولار للعلبة، وبتكلفة سنوية قيمتها 3 ملايين دولار. في العام 2025، فازت في المناقصة الأدوية الأربعة (سرطان وروماتيزم). فحققت الوزارة وِفراً تجاوز 8 ملايين دولار. وفي العام 2026، عادت وفازت أدوية السرطان الثلاثة، واستمرت الوزارة بتحقيق وِفر الـ8 ملايين دولار.
قبل شهرين، بدأ التشكيك داخل وزارة الصحة في جودة الأدوية المذكورة وغيرها من الأدوية الهندية. وتفيد المعطيات، بأن الجهات التي قادت حملة التشكيك، هي جزء من «كارتيل» الدواء في لبنان، ومتضررة من أن «البديل» يأكل شيئاً فشيئاً من حصّتها في السوق، علماً أن غالبية التحاليل التي تثبت جودة الأدوية سُلّمت إلى الوزارة في العام 2024، وعلى أساسها منحت اللجنة الفنية الشركة المستودرة حق تسويق الدواء والمشاركة في المناقصة. ونتيجة هذا التشكيك، وصل إلى المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج إخباراً، دفعه إلى المباشرة بالتحقيق في جرم استيراد أدوية مزوّرة.
بالتوازي، باشرت الوزارة تحقيقاتها، وراسلت مختبراً مرجعياً معتمداً من قبلها في سويسرا، للتأكّد من صحّة جميع الفحوصات العائدة للأدوية الهندية، والمقدّمة من قبل الشركة المستوردة، وهذه المراجعة بين الوزارة والمختبر، حصلت أكثر من مرة، وأتت النتائج إيجابية. و«الأخبار» اطلعت على الوثائق التي تثبت أن الأدوية مطابقة للمعايير.
وبالنسبة إلى «Warning USFDA»، أي الإنذار الصادر في 1 أيلول الفائت، بحق مصنع الأدوية الهندي «Reliance»، فهو إنذار تذرّع به «كارتيل» الدواء والمؤسسات الإعلامية الحامية لمصالحه، للادعاء أن الوزارة قبلت اعتماد أدوية هندية من مصنعٍ صدر بحقه إنذاراً من جهات مرجعية مثل الـ«FDA». «الأخبار» دقّقت في الإنذار، وتبيّن أن مصنع «Reliance» لديه شبكة مصانع عددها 9، وكلّ منها يُنتج أنواع أدوية مختلفة. كما ظهر أن الإنذار صدر بحق خطَّي إنتاج تابعين للمصنعين 3 و6، اللذين لا يستورد منهما لبنان، وهما لا يُصنّعان في الأصل أدوية «Biosimilar»، أي نوع الأدوية التي يستوردها لبنان. وتوضّح أيضاً أن الأدوية الهندية الأربعة التي اعتمدتها الوزارة مستوردة من خطوط إنتاج تعود للمصنعين 2 و7، اللذين لم يصدر بحقهما أي إنذار.
وكان هذان المصنعان (2و7) قد تم تسجيلهما حديثاً في كلّ من السعودية والأردن، وباتا مصنعين معتمدين فيهما. وهو ما تثبته وثائق منها ما هو صادر في أيلول الفائت، من كل من الأردن والسعودية، حول أصول التصنيع الجيد المعتمدة في المصنعين. ومن المعروف أن السعودية والأردن من الدول التي تعتمد معايير عالية في هذا المجال، إضافةً إلى أن المصنعين اللذين يستورد منهما لبنان مسجّلان في أوروبا، وحائزان على شهادة الـ«EUDRA GMP»، أي شهادة أسس التصنيع الجيد وفق المعايير الأوروبية.
بعد كسرِ احتكارها بدواء صيني: «ميرساكو» تُخفِّض 1,425 دولاراً من سعر العلبة!
في التفاصيل التي حصلت عليها «الأخبار»، أجرت وزارة الصحة في آب الفائت، مناقصة لشراء أدوية سرطان، وفاز دواء «Nintava» الصيني لشركة «Levant Pulse»، بسعر 697 دولاراً للعلبة الواحدة. وهو بديل دواء «Ofev» الـOriginal، الذي تستورده «Mersaco». المفاجأة كانت أن «Mersaco» خسرت المناقصة، رغم تقديمها السعر الأدنى (650 دولاراً للعلبة الواحدة). فوفقاً لدفتر الشروط المعدّ بناءً لأصول قانون الشراء العام، فإن المنتجات المصنّعة محلياً بشكلٍ كلي أو جزئي تحصل على أفضيلة بنسبة تراوح بين 10% إلى 15%. وبما أن «Levant Pulse» تستورد الدواء من الصين، وتتم التعبئة في لبنان، استفادت من الأفضلية تلك.
وبذلك، تكون الوزارة قد اشترت 2500 علبة «Nintava»، وهي حاجة لبنان السنوية، بمبلغ مليون و742 ألف دولار. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الوزارة اشترت في العام الماضي حاجتها من دواء «Ofev» (2500 علبة) من «Mersaco» بكلفة 5 ملايين و187 ألف دولار، أي 2,075 دولاراً للعلبة الواحدة، تكون الوزارة قد حققت هذا العام وِفراً بقيمة 3.5 ملايين دولار.
اللافت، هو حجم تخفيض «Mersaco» لسعر العلبة الواحدة، من 2,075 دولاراً إلى 650 دولاراً، أي أنها خفّضت 1,425 دولاراً من سعر مبيعها للعلبة، وخفّضت 3 ملايين و560 ألف دولار من المبلغ السنوي الذي كانت تستوفيه من الوزارة. وهي حكماً لا تزال تحقق ربحاً، في حين كان من المتوقع وسط التضخّم العالمي، ارتفاع الأسعار، ما يطرح علامات استفهام حول حجم الأرباح المهولة التي حققتها على مدى سنوات من المال العام، مستغلةً أنّها العارض الوحيد. وعندما شعرت أن الدواء المنافس قد يأخذ جزءاً من حصتها في السوق، سارعت إلى تخفيض السعر علّها تربح كامل المناقصة. هذا مع العلم، أن الأدوية الـ Original لم تخرج من السوق نهائياً لصالح البديل، بل لا تزال تشكّل النسبة الأكبر.
بحسبة بسيطة للأرقام، يظهر أن «Mersaco» من دواء «Ofev» فقط، وعلى مدى 5 سنوات فقط، استوفت من وزارة الصحة حوالى 26 مليون دولار، أي 5 ملايين و187 ألف دولار سنوياً، على أساس سعر 2,075 للعلبة الواحدة. بينما لو كانت «Mersaco» قد اعتمدت في تلك السنوات الخمس تسعيرة 650 دولاراً للعلبة الواحدة (كما طرحتها هذا العام)، كانت التكلفة الإجمالية ستبلغ 8 ملايين و125 ألف دولار بدلاً من 26 مليون دولار، أي مليون و625 ألف دولار بدلاً من 5 ملايين و187 ألف دولار سنوياً.



