الرئيسية اقتصاد عربي مصر تبني الممر الأفريقي من فيكتوريا إلى المتوسط

مصر تبني الممر الأفريقي من فيكتوريا إلى المتوسط

تدفع مصر مجدداً بمشروع «فيك ميد» لربط بحيرة فيكتوريا بالبحر المتوسط، واضعة واحداً من أضخم مشاريع النقل العابرة للحدود في حوض النيل ضمن تصورها لمستقبل التجارة الأفريقية. ولا يقوم المشروع على إنشاء خط ملاحي نهري فحسب، بل على منظومة متعددة الوسائط تجمع النقل النهري والطرق والسكك الحديدية والموانئ والمنشآت اللوجستية، بما يطمح إلى تحويل النيل من مجرى مائي إلى ممر للتنمية والتجارة.

وجدد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي طرح المشروع خلال فعاليات أفريقية استضافتها مدينة العلمين، مؤكداً أن القاهرة تعمل على المرحلة الثانية من دراسة الجدوى، وأن الهدف هو إنشاء منظومة نقل تربط دول حوض النيل وتدعم التجارة والسياحة وتوفر مساراً أكثر كفاءة واستدامة لحركة البضائع. ويشمل المشروع عشر دول هي مصر والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية.

وبحسب وثائق بنك التنمية الأفريقي، فإن تقديرات تنفيذ المشروع تتراوح بين 10 و12 مليار دولار، بينما تحتاج مراحل إعداد دراسات الجدوى إلى تمويل منفصل بملايين الدولارات. ويأتي التمويل الأفريقي في وقت لا تزال فيه القاهرة تعمل على استكمال المرحلة الثانية من الدراسات، بما يعني أن المشروع لم يدخل بعد مرحلة التنفيذ الشامل، وأن الرقم الكبير المطروح يتعلق بالكلفة المتوقعة للتنفيذ بعد اكتمال الدراسات والاتفاقات المطلوبة.

الفكرة الأساسية في «فيك ميد» هي إنشاء ممر قابل للملاحة يمتد عبر منظومة النيل من بحيرة فيكتوريا إلى ساحل المتوسط، مع معالجة العوائق الطبيعية والهندسية التي تحول دون الملاحة المتصلة على امتداد النهر. وتقدر الوثائق الأفريقية طول الممر المائي المستهدف بنحو 3800 كيلومتر من أوغندا إلى الساحل المصري، مع أعمال تشمل التجريف، وإنشاء الأهوسة، وأعمال تنظيم مجرى النهر، وتطوير الموانئ النهرية والمنشآت اللوجستية.

لكن الرؤية المصرية للمشروع تتجاوز إنشاء طريق مائي. فقد طرح مدبولي مفهوم «ممرات التنمية»، التي تربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والموانئ والأسواق، وتجمع النقل مع الطاقة والاتصالات والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والعمرانية.

ويعكس ذلك محاولة الانتقال من فكرة إنشاء بنية تحتية منفردة إلى بناء منظومة اقتصادية تمتد على طول الممر. فبدلاً من أن تكون البضائع الزراعية أو التعدينية في دول المنبع مرتبطة بالأسواق عبر سلاسل نقل طويلة ومكلفة، يفترض المشروع أن تؤدي شبكة النقل المتكاملة إلى تقليل كلفة الحركة وربط الإنتاج المحلي بالموانئ العالمية.

وتشير وثائق «فيك ميد» إلى أن من أهداف المشروع تعزيز التكامل الاقتصادي بين دول حوض النيل، وتطوير التجارة والسياحة، وخلق فرص عمل، وتوفير منفذ للدول الحبيسة إلى الموانئ والبحار، بما فيها المتوسط والبحر الأحمر.

وتكتسب فكرة الممر أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول التي لا تملك منفذاً بحرياً مباشراً. فمن بين الدول العشر المشاركة دول مثل جنوب السودان وأوغندا ورواندا وبوروندي وإثيوبيا، ما يجعل الوصول إلى الموانئ الخارجية عاملاً مؤثراً في تكاليف تجارتها وقدرتها على الاندماج في الأسواق الدولية.

ومن هذا المنظور، لا تقدم القاهرة المشروع باعتباره منفذاً للموانئ المصرية فقط، بل باعتباره طريقاً يمكن أن يسمح للدول الداخلية بالوصول إلى شبكات التجارة العالمية عبر منظومة تجمع النقل النهري مع الطرق والسكك الحديدية والموانئ.

وتعتمد الفكرة أيضاً على ميزة النقل المائي في نقل كميات كبيرة من البضائع بكفاءة في استهلاك الطاقة مقارنة ببعض أنماط النقل البري، وهو ما يمنح المشروع بعداً بيئياً وتنموياً إلى جانب وظيفته التجارية.

التحدي الحقيقي يبدأ بعد اختيار المسار: توفير مليارات الدولارات، وتجاوز التعقيدات الهندسية والسياسية، وإقناع عشر دول بأن الممر مشروع مشترك

بالنسبة إلى مصر، يحمل المشروع بعداً اقتصادياً وجيو-استراتيجياً في آن واحد. فالقاهرة تسعى منذ سنوات إلى توسيع حضورها في القارة من خلال مشروعات البنية التحتية والتجارة والربط اللوجستي، كما تراهن على موقعها الجغرافي بوصفها نقطة اتصال بين أفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر.

ويتيح «فيك ميد»، في حال تنفيذه، توسيع هذا الدور من مجرد استقبال التجارة الأفريقية في الموانئ المصرية إلى المشاركة في حركة البضائع على امتداد مسار يبدأ من شرق أفريقيا ويمتد شمالاً. وتصبح الموانئ والخدمات اللوجستية المصرية عند نهاية الممر جزءاً من شبكة أوسع تربط مناطق الإنتاج الأفريقية بالأسواق العالمية.

وتنسجم الفكرة مع أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 وبرنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا ومنطقة التجارة الحرة القارية، كما يتوافق المشروع مع توجه أفريقي أوسع نحو الممرات العابرة للحدود باعتبارها أدوات لخفض كلفة التجارة وتسهيل التكامل بين الاقتصادات الوطنية.

لكن المسافة بين طموح «فيك ميد» وتنفيذه لا تزال طويلة. فالمشروع يواجه تحديات هيدرولوجية وفنية كبيرة، بما في ذلك تفاوت مناسيب المياه، والشلالات والعوائق المائية، والسدود، والحاجة إلى إنشاء أهوسة وأعمال هندسية للحفاظ على قابلية الملاحة.

وتضيف الطبيعة العابرة للحدود تحدياً آخر، إذ يحتاج المشروع إلى توافق بين عشر دول تختلف في أنظمتها القانونية والإدارية وإجراءات الجمارك والحدود ومعايير تشغيل النقل النهري. كما تتطلب إدارة ممر بهذا الحجم تنسيقاً مستمراً بشأن الصيانة والمياه والسلامة والبيئة.

وتشير وثائق بنك التنمية الأفريقي إلى مخاطر تتعلق بتقلب مستويات المياه، والتأثيرات البيئية، والتغير المناخي، والأوضاع الأمنية، إضافة إلى تعقيدات التنسيق بين الدول. ولهذا تظل الدراسات الفنية والبيئية والاجتماعية واختيار أفضل مسار مراحل حاسمة قبل الانتقال إلى التنفيذ.

وفي هذا السياق، يظهر استمرار أنشطة بنك التنمية الأفريقي خلال 2025 و2026، بما في ذلك الاستشارات وتعيين خبراء ودراسات التقييم البيئي والاجتماعي، أن المشروع دخل مرحلة أكثر تقدماً في الإعداد، لكنه لم يتجاوز بعد عتبة الدراسات إلى البناء الفعلي.

ويبدو «فيك ميد» في النهاية اختباراً لفكرة أكبر من الممر الملاحي نفسه: هل تستطيع دول حوض النيل تحويل الجغرافيا المشتركة إلى شبكة اقتصادية مشتركة؟

نجاح المشروع سيتوقف ليس فقط على توفير التمويل، وإنما على قدرة الدول العشر على الاتفاق على مسار واحد، وتوحيد الإجراءات، وجذب القطاع الخاص، وتأمين البنية التحتية وتشغيلها على المدى الطويل.

أما بالنسبة إلى مصر، فإن المراهنة تكمن في تحويل موقعها عند نهاية النيل إلى ميزة اقتصادية قارية، بحيث يصبح البحر المتوسط امتداداً طبيعياً للأسواق الأفريقية الواقعة في حوض النيل.

لكن «فيك ميد» لن يصبح طريقاً من فيكتوريا إلى المتوسط بمجرد اكتمال الدراسات. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد اختيار المسار: توفير مليارات الدولارات، وتجاوز التعقيدات الهندسية والسياسية، وإقناع عشر دول بأن الممر مشروع مشترك تتوزع منافعه وأعباؤه بينها. ومن هنا، فإن ما تبنيه مصر حالياً ليس الممر نفسه بقدر ما هو الأساس السياسي والفني لممر أفريقي قد يعيد رسم جزء من خرائط التجارة في حوض النيل.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةالطلب العالمي على المعادن الحيوية مرشح للتضاعف بحلول 2040
المقالة القادمةهل يريد الاتحاد الأوروبي عودة بريطانيا؟