تأتي الجمعة السوداء «بلاك فرايدي» هذا العام يوم 27 تشرين الثاني الجاري، لتتحول من موسم تخفيضات أميركي محدود إلى واحدة من أبرز المحطات التجارية في الاقتصاد العالمي.
ويترافق ذلك مع توسع مشاركة المتاجر التقليدية ومنصات التجارة الإلكترونية، واشتداد المنافسة على جذب المستهلكين في وقت تواجه فيه الأسر ضغوطًا متزايدة بسبب تكاليف المعيشة والتضخم.
وتكتسب نسخة «بلاك فرايدي» 2026 أهمية خاصة في ظل توقعات نمو الإنفاق خلال موسم العطلات، إذ قدّر الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة الأميركي (NRF) أن تصل مبيعات التجزئة خلال تشرين الثاني وكانون الأول إلى 1.013 تريليون دولار، بزيادة 4.2% مقارنة بالعام الماضي، مقابل مبيعات بلغت 972 مليار دولار في موسم 2025.
وتعكس هذه التوقعات استمرار قوة الاستهلاك الأميركي، رغم الضغوط المرتبطة بالتضخم وارتفاع أسعار الوقود والفائدة، فيما يتوقع الاتحاد أن تتراوح الوظائف الموسمية التي سيوفرها قطاع التجزئة بين 325 ألفًا و375 ألف وظيفة.
وتكشف توقعات شركة Adobe عن حجم الرهان على التسوق الإلكتروني، إذ ترجح وصول المبيعات الرقمية الأميركية خلال موسم العطلات، من الأول من تشرين الثاني وحتى 31 كانون الأول 2026، إلى 275.1 مليار دولار، بنمو 6.7% على أساس سنوي.
وتشير التقديرات إلى أن مبيعات الجمعة السوداء وحدها قد تبلغ 12.9 مليار دولار، بزيادة 9.2%، بينما يُتوقع أن تصل مبيعات «سايبر مونداي» إلى 15.1 مليار دولار، لتظل أكبر أيام التسوق الإلكتروني خلال الموسم.
لم يعد «بلاك فرايدي» مقتصرًا على الولايات المتحدة، إذ أصبح موسمًا ترويجيًا حاضرًا في أسواق أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، مستفيدًا من انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات التسوق والدفع الإلكتروني.
وفي استطلاع عالمي أجرته شركة Criteo وشمل 10,500 مستهلك، أظهرت النتائج أن نحو 9 من كل 10 متسوقين يتنقلون بين قنوات مختلفة، مثل المواقع والتطبيقات والمتاجر، قبل إتمام عملية الشراء، بينما قال 76% من متسوقي الهدايا إنهم يعتزمون البحث عن الخصومات والعروض خلال موسم الأعياد.
وتشير بيانات شركة DHL، المستندة إلى استطلاع شمل 29 ألف متسوق إلكتروني في 29 دولة، إلى أن 41% من المتسوقين عبر الإنترنت يشترون خلال «بلاك فرايدي»، مقابل 84% من شركات التجارة الإلكترونية التي تقدم عروضًا ترويجية، بما يعكس اتساع المنافسة بين الشركات مقارنة بحجم المشاركة الفعلية للمستهلكين.
لكن التوسع التجاري لا يعني أن المستهلك يقبل جميع العروض؛ فقد أظهرت دراسة مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) في تشرين الثاني 2026 أن الوعي بعروض «بلاك فرايدي» بلغ 95% عالميًا، وأن نية التسوق وصلت إلى 81% بين المستهلكين الذين يعرفون المناسبة، في حين تراجعت الثقة في الخصومات المعلنة إلى 54%، مع إبداء 20% عدم ثقة فعليًا بها.
وفي الأسواق العربية، تكتسب المناسبة زخمًا متزايدًا تحت اسم «الجمعة البيضاء»، مع توسع منصات البيع الإلكتروني، غير أن أسعار الاستيراد والشحن وتقلبات العملات تظل عوامل مؤثرة في قدرة الشركات على تقديم تخفيضات حقيقية.
وبذلك، لم تعد الجمعة السوداء مجرد سباق على أكبر نسبة خصم، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الشركات على إدارة المخزون والتسعير والخدمات اللوجستية، ولقدرة المستهلك على اقتناص القيمة الحقيقية بعيدًا عن الإعلانات المضللة.
يقول الدكتور علاء عز، الأمين العام لاتحاد منظمات الأعمال المصرية الأوروبية، إن موسم «بلاك فرايدي» أصبح أحد أبرز المحركات التجارية للاقتصاد العالمي، ولم يعد مجرد مناسبة لتقديم التخفيضات، بل تحول إلى ساحة تنافسية واسعة بين الشركات والمتاجر التقليدية ومنصات التجارة الإلكترونية للاستحواذ على حصة أكبر من إنفاق المستهلكين.
وأوضح عز، في تصريحات لـ«إرم نيوز»، أن توقعات وصول مبيعات التجزئة الأميركية خلال موسم العطلات إلى أكثر من تريليون دولار تعكس استمرار قوة الاستهلاك، رغم الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أن التحول الرقمي أسهم في توسيع نطاق المنافسة وإتاحة فرص أكبر أمام المستهلكين للمقارنة بين الأسعار والمنتجات.
وأضاف أن التحدي الحقيقي أمام الشركات لم يعد تقديم أكبر نسب خصم، وإنما تقديم تخفيضات حقيقية والحفاظ على ثقة المستهلك، إلى جانب تطوير الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
وأكد أن السوق العربية يمكنها الاستفادة من هذا الموسم في تنشيط التجارة الإلكترونية وزيادة المبيعات، شريطة تعزيز الشفافية والمنافسة العادلة، بما يحقق التوازن بين مصالح الشركات والقدرة الشرائية للمستهلكين.



