مجلس الوزراء يمرر لوزارة الأشغال تلزيماً أم “صفقة”؟

 

 

لا تنتهي فصول المخالفات والإلتفافات على القوانين في معظم الوزارات والملفات، وبمصادقة من مجلس الوزراء! فالشبهات لا تفارق معظم الخطط والإجراءات التي يُقدم على تنفيذها الوزراء، لاسيما حين تتسلل طلباتهم عبر جدول أعمال “شبه سرّي” لمجلس الوزراء، خلسة، من دون ملاءمتها أدنى درجات منطق محاربة الفساد، وشعار النزاهة والشفافية.

الملف الأول يتعلق بموافقة مجلس الوزراء، في جلسته الأخيرة، على البند رقم 17 من جدول أعماله، وينص على “طلب وزارة الأشغال العامة والنقل تلزيم أشغال صيانة منشآت قصر العدل الجديد في طرابلس، بطريق استدراج العروض في إدارة المناقصات في التفتيش المركزي، سنداً لأحكام المادة 145 الفقرة 5 والمادة 146 الفقرة 1 من قانون المحاسبة العمومية”.

 

والسؤال ما حاجة عملية استدراج العروض لموافقة من مجلس الوزراء؟ ولماذا لم تلجأ وزارة الأشغال مباشرة إلى إدارة المناقصات العمومية؟

الجواب أتى على لسان أحد خبراء دائرة المناقصات: “لا شك أن في مشروع تلزيم أشغال صيانة منشآت قصر العدل الجديد في طرابلس صفقة”. الخبير القانوني تنبأ في حديثه إلى “المدن” بوجود صفقة، حين قارب المشروع من الجانب القانوني، مؤكداً ان طرح المشروع أمام مجلس الوزراء يخفي نية التهرب من عملية إطلاق مناقصة عامة.

إن عملية استدراج العروض ليست بحاجة إلى موافقة مجلس الوزراء، حسب الخبير القانوني، لكن القانون أتاح للوزارات اللجوء إليه في بعض الأحيان، عندما تكون الخدمة المراد تحقيقها محصورة بشركات قليلة لا يتجاوز عددها ثلاث شركات، وتوفيراً للوقت يتم استدراج عروض بموافقة مجلس الوزراء، إلا أن هذه الحالة لا تنطبق أبداً على المشروع المنصوص عنه في البند 17 المتعلق بتلزيم صيانة منشآت طرابلس.

من هنا يلجأ غالبية الوزراء، ومنهم وزير الأشغال العامة، إلى مجلس الوزراء للإستحصال على قرار يسمح لهم باستدراج عروض محدود. وبهذه الطريقة، يتم تحويل العملية من عملية منافسة بين عشرات الشركات إلى عملية استدراج عروض بين شركتين أو ثلاث على أبعد تقدير. وغالباً ما تكون الشركات المشاركة في استدراج العروض متعاونة فيما بينها، أو متواطئة على حساب الوزارة، وبالتالي على خزينة الدولة .

بمعنى آخر، إن طلب وزارة الأشغال يعني استبدال المناقصة المفتوحة أمام الجميع باستدراج عروض محصور بمن نالوا الحظوة من قِبلها. ويصف الخبير القانوني الطلب بـ”أنه ضرب آخر من ضروب التحايل على القانون”، واصفاً إياه بـ”اتفاق رضائي، لكن بقناع استدراج العروض”.

أما عن أحكام المادة 145 الفقرة 5 والمادة 146 الفقرة 1 من قانون المحاسبة العمومية،  فلا يوجد فيها أي إشارة تثبت مطابقة المعروض على واحدة من شروط استدراج العروض، إذ تنص المادة 145 الفقرة 5 على الأتي: يمكن عقد الصفقات بطريقة استدراج العروض إذا كانت قيمتها تفوق 100 مليون ليرة، وكانت تتعلق باللوازم والأشغال والخدمات، التي لا تسمح بعض الحالات المستعجلة الناشئة عن ظروف طارئة بطرحها في المناقصة، على أن يقرر ذلك الوزير المختص”.

صفقة ثانية؟

أما البند 8 المصادق عليه في مجلس الوزراء، فينص على “عرض وزارة الداخلية والبلديات موضوع تأمين اعتمادات لمقر هيئة الإشراف على الانتخابات النيابية، وغيرها من النفقات، والموافقة على توظيف ثلاثة أشخاص لجهازها الإداري لمدة سنة”.

وتشوب هذا البند شائبتين. الأولى، تصفها إحدى المحاميات الناشطات في الدفاع عن المال العام وكشف الفساد بـ”عملية إستهبال للدولة واستسهال لعملية صرف المال العام”. وذلك، لعدم الحاجة إلى تكبد مبلغ مالي ضخم على مقر لهيئة الإشراف على الانتخابات لمدة عام كامل. ووفق حديث المحامية إلى “المدن”، كان من الممكن أن يتم استئجار مقر لهيئة الإشراف على الانتخابات النيابية لمدة شهر واحد، لاسيما أن الانتخابات الفرعية في طرابلس لا تبعد زمنياً أكثر من 12 يوماً فقط.

أما الشائبة الثانية فتكمن في توظيف ثلاثة أشخاص لجهاز “الهيئة” الإداري لمدة سنة. وهل توظيف ثلاثة أشخاص لهيئة الإشراف على الانتخابات أكثر أهمية من توظيف ثلاثة أشخاص في أي جهاز رقابي من الأجهزة الفاقدة لكوادرها البشرية؟ ولماذا توظيف ثلاثة أشخاص في حين يمكن للهيئة أن تستعين بعشرة وليس ثلاثة فقط من كوادر القطاع العام، أو حتى من وزارة الداخلية؟

المشكلة لا تكمن في مناقصة وزارة الأشغال ولا في توظيف ثلاثة أشخاص، إنما في عقلية “الهبش” من المال العام السائدة بين أركان السلطة، واقتناعهم باستباحة القوانين والخزينة على حد سواء، من دون حسيب أو رقيب.

بواسطةعزة الحاج حسن
مصدرجريدة المدن
المادة السابقةالصين… الاحتياطي الأجنبي 3.1 تريليون دولار
المقالة القادمةانطلاق معرض أعمال روسي عربي في موسكو