دخلت الحرب الإقليمية المستمرة منذ حوالى 7 أشهر كعامل ضغط إضافي على أجور العمال المتدنية أصلاً، خصوصاً مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، فيما لم يطرأ تعديل جديد على الحد الأدنى الرسمي للأجور، البالغ 28 مليون ليرة، أي نحو 312 دولاراً، أو على بدل النقل، وسط تعامٍ من المعنيين عن هذه الأزمة، لا سيّما في القطاع الخاص.
تعود قصة تدني الأجور إلى بداية الانهيار النقدي والمصرفي، حين فقدت الليرة 98% من قيمتها أمام الدولار. ومنذ ذلك الحين، لم تستعد أجور العاملين قيمتها التي كانت عليها عام 2019، على الرغم من الثبات النسبي لسعر صرف الدولار مقابل الليرة.
وزادت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران من حدّة الأزمة، بعدما أدّى ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته إلى زيادة كلفة النقل والتأمين، إذ سجّل مؤشر أسعار جمعية المستهلك للنصف الأول من عام 2026 ارتفاعاً حاداً بلغ 19.05%، وشمل 140 سلعة وخدمة أساسية، طال بصورة خاصة السلع والخدمات الحيوية للأسر، ومنها المواصلات والمحروقات والخضر والفاكهة واللحوم والألبان والأجبان والخبز، في بلد يستورد جميع حاجاته النفطية وأكثر من 85% من حاجاته الاستهلاكية والغذائية.
بقي الحد الأدنى الرسمي للأجور أقل بنحو 271% من متوسط الحد الأدنى المطلوب لتغطية نفقات الأسرة الأساسية
وعليه، أصبحت كلفة الحد الأدنى لمعيشة الأسرة اللبنانية المؤلفة من 4 أفراد تتراوح بين 890 دولاراً و1426 دولاراً، بمتوسط 1157 دولاراً شهرياً، وفقاً لبيانات «الدولية للمعلومات»، بينما كانت الكلفة في بداية العام الحالي تبلغ 898 دولاراً، أي أنها ارتفعت بمقدار 259 دولاراً شهرياً، وبنسبة 28.8%، في حين بقي الحد الأدنى الرسمي للأجور أقل بنحو 271% من متوسط الحد الأدنى المطلوب لتغطية نفقات الأسرة الأساسية.
لجنة المؤشر «في غيبوبة»
وبعد أشهر من الاعتصامات والتحركات المطالبة بتحسين رواتب موظفي القطاع العام، أقرت الدولة زيادة على أجورهم وتعويضاتهم. ورغم أن هذه الزيادة لا تزال غير كافية ولا تنصف حجم التراجع الذي أصاب قدرتهم الشرائية، فإنها شكّلت في نهاية المطاف زيادة رمزية على دخل موظفي القطاع العام، في حين تُرك عمال القطاع الخاص لمصيرهم، بأجور لم تواكب الارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز لجنة المؤشر، باعتبارها الإطار المعني ببحث تطورات الأجور في القطاع الخاص، إذ تضم ممثلين عن الدولة والعمال وأصحاب العمل. غير أن آخر اجتماع موثّق لها لمتابعة مؤشر غلاء المعيشة والحد الأدنى للأجور، وفق ما يظهر في موقع وزارة العمل، عُقد في 22 كانون الأول 2025.
ومنذ ذلك الحين، شهدت كلفة المعيشة وأسعار السلع والخدمات الأساسية ارتفاعات إضافية، لا سيما خلال النصف الأول من عام 2026، إلا أن ذلك لم ينعكس، حتى الآن، في تعديل جديد على الحد الأدنى الرسمي للأجور أو بدل النقل.
الـ 400$ بين الـ 2023 الـ 2026
ومع الاتساع المستمر في الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة، لجأ كثيرون إلى العمل لساعات إضافية أو البحث عن وظيفة ثانية أو الاعتماد على المساعدات لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
يشرح علاء، الشاب العشريني الذي يعمل بائعاً في إحدى المحلات التجارية، كيف انخفض راتبه من نحو 850 دولاراً إلى ما يقارب 200 دولار مع بداية الأزمة المالية، ثم ارتفع تدريجياً ليصل إلى 400 دولار، وبقي ثابتاً على هذا النحو منذ عام 2023.
ولم تقم «شركة الملابس الكبيرة»، بحسب وصفه لمكان عمله، بإدخال أي تعديل على الأجر، على الرغم من الظروف الأمنية والاقتصادية التي مرّت بها البلاد. ويستدرك قائلاً إن «400 دولار عام 2023 هي غير 400 دولار عام 2026»، إذ كان «يمشي الحال»، أما الآن، فبالكاد يكفي الراتب لسداد مصاريفه الشهرية.
من جهة ثانية، يقول علي، رب الأسرة المؤلفة من 3 أولاد وزوجة، والنازح من قريته حولا منذ أكثر من سنتين، إن محطة البنزين التي يعمل فيها تعطيه أجراً شهرياً قيمته 300 دولار، وهو مبلغ «لا يكفي مصاريف المأكل والمشرب للعائلة حالياً».
وبعد أن أقام في مدرسة في بيروت خلال الحرب، يشير علي إلى أنه فقد إمكانية العودة إلى منزله في الضاحية الجنوبية بسبب عدم قدرته على سداد بدل الإيجار المستحق في الأشهر السابقة، على الرغم من التهجير، لتتحول كلفة السكن إلى عبء إضافي على دخل لم يعد يكفي أساسيات الحياة.
الوظيفة الثانية ضرورة وليس خيار
أما العمل في الخدمة المنزلية، فكان الملجأ الوحيد لهبة لزيادة مدخولها الشهري كي تتمكن من تغطية مصاريف التهجير لها ولوالدتها.
تعمل هبة في ورشة خياطة وتتقاضى الحد الأدنى للأجور، أي 312 دولاراً شهرياً، مقابل عمل تقضي فيه 8 ساعات يومياً. لذلك لجأت إلى تقديم خدمات تنظيف المنازل بعد الساعة الرابعة، وتتقاضى 5 دولارات عن كل ساعة عمل في الخدمة المنزلية، وفي بعض الأحيان، تبيت في منازل مسنين لخدمتهم ليلاً مقابل 10 دولارات عن الليلة.
بالنسبة إلى هبة، تدرّ عليها هذه الأعمال أجوراً تفوق ما تتقاضاه في معمل الخياطة، لكنها مضطرة إلى العمل في مؤسسة مسجلة، كما تقول، لأنها تريد المحافظة على استفادتها من خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا سيما أنّ والدتها مسنة ومريضة.
إلا أنّ هذه الحاجة المادية أدخلت هبة في دوامة من الاستغلال من قبل صاحب العمل، إذ تمدد ساعات عملها أحياناً لأكثر من 8 ساعات يومياً، وتصل إلى 12 ساعة بحسب ضرورات العمل، فيما تبلغ أيام العمل الأسبوعية 6 أيام على الأقل، وقد تصل إلى 7.
ولا تقتصر هذه الصورة على العاملين الذين يتقاضون الحد الأدنى الرسمي للأجور، إذ يعمل عدد من اللبنانيين في قطاعات غير منظمة، حيث تكون الحماية القانونية والاجتماعية للعامل محدودة أو غائبة، ما يجعلهم أكثر عرضة لتدني الأجور ولساعات طويلة، خصوصاً في ظل الحاجة المتزايدة إلى أي مصدر دخل.
لا تكشف هذه القصص عن أزمة أجور فحسب، بل عن تحوّل في معنى العمل نفسه بالنسبة إلى شريحة من العاملين. فبدلاً من أن يكون الراتب الثابت وسيلة لتأمين الاستقرار وتغطية الاحتياجات الأساسية في الحد الأدنى، بات بالنسبة إلى كثيرين مجرد نقطة انطلاق للبحث عن مصادر دخل أخرى، فيما تبتلع كلفة السكن والنقل والغذاء والتعليم الجزء الأكبر منه.



