إذا أردنا وضع أداء أيّ حاكم لمصرف لبنان في ميزان قراراته، فالمدخل الطبيعي ليس متابعة السجالات ولا اجتزاء التصريحات، بل قراءة ما يصدر عنه من تعاميم وقرارات نافذة، وما ينعكس في البيان المالي. من هنا،يهدف هذا المقال إلى قراءة أداء حاكم مصرف لبنان كريم سعيد من زاوية قراراته. ماذا تقول التعاميم الأساسية والوسيطة التي صدرت في فترة محددة؟ وأيّ سياسة نقدية ترسمها عملياً؟ ثم ننتقل من “سجلّ التعاميم” إلى “سجلّ الأرقام” في الميزانية المؤقتة – البيان المالي لمصرف لبنان، حيث تظهر فجوة من نوع آخر.
ولأنّ النصوص، بما تتضمنه من قواعد ومهل وآليات رقابية وجزائية، هي التي تُنتج الأثر القانوني المباشر على المصارف والمودعين والسوق. أمّا الخطاب الإعلامي فيبقى قابلاً للتبدّل والتأويل، بينما تبقى القرارات والبيانات قابلة للقياس والمساءلة.
وانطلاقاً من هذا المنهج؛ يمكن مقاربة أداء الحاكم كريم سعيد عبر رصد التعاميم الأساسية والتعاميم الوسيطة التي وُقّعت خلال الفترة الممتدة بين نيسان 2025 وشباط 2026. ففي هذه المرحلة، صدرت ستة تعاميم أساسية، وأربعة وعشرون تعميماً وسيطاً تحمل الأرقام من 734 حتى 757. وهذه التعاميم التنظيمية كافية لرسم اتجاه عام، لا على مستوى “النوايا”، بل على مستوى الأدوات النقدية والخيارات التنفيذية، التي تولّى الحاكم كريم سعيد تطبيقها إنفاذاً لقرارات المجلس المركزي والدوائر الأخرى، لاسيما الدائرة القانونية.
تفكيك مضمون التعاميم
عند تفكيك مضمون هذه التعاميم تتبدّى ثلاثة محاور عملية متكررة.
المحور الأول: إدارة الوصول إلى الودائع بالعملات الأجنبية. ويتجسد ذلك في التعميم الأساسي رقم 169 الذي يمنع التسديد من الحسابات بالعملات الأجنبية المسجلة قبل 17 تشرين الأول 2019 بما يتجاوز السقوف المعتمدة، ثم في التعميم الوسيط رقم 756 الذي أعاد الضبط الشكلي لتعريف «الأموال النقدية» المرتبطة بالأموال الجديدة بعد 17 تشرين الأول 2019؛ ليعطف على الوضعية الشهرية لفروع المصارف ويسندها الى التعميم الأساسي 165 بدلاً من التعميم الأساسي رقم 150. إضافة الى تعزيز الامتثال والحوكمة في اقتصاد النقد والتحويلات والعمليات الإلكترونية، وتنظيم مقدّمي خدمات الدفع الإلكتروني من خلال التعاميم.
المحور الثاني: الحفاظ على السيولة الخارجية من خلال التعميم الوسيط رقم 739 الذي ألزم المصارف بنسبة حساب خارجي “حر” لا يقل عن 3% من ودائعها بالعملات الأجنبية كما هي في 30 حزيران 2025، مع مهلة للتسوية حتى 30 حزيران 2026، وفي التعميم الوسيط رقم 749 الذي خفّض بنسبة 90% فوائد توظيفات المصارف بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان وشهادات الإيداع بالعملات الأجنبية الصادرة عنه؛ مع تسديد الفوائد في العملة نفسها من أموال “غير نقدية”، وذلك بغية تخفيض الفجوة المالية والحفاظ على مبدأ العدالة في التعامل بين مصرف لبنان والقطاع المصرفي، كما جاء في ديباجة التعميم، بالإضافة الى التعميم الوسيط رقم 755 الذي شدد قواعد مراكز القطع عبر مهَل وإجراءات وعقوبات شبه احترازية.
المحور الثالث: احتواء خسائر المصارف من خلال مرونة رأس المال وإعادة التقييم. ويتجسد ذلك في التعديلات على إطار كفاية رأس المال، لناحية السماح مؤقتاً بتدني احتياطي الحفاظ على رأس المال دون 2.5 في المئة (Capital Conservation Buffer)مع فرض تقارير دورية. وهو أمر طبيعي بالمعالجة لواقع مؤقت (Forbearance measures) دون ان يتحول الى قاعدة مستمرة. بالإضافة الى تمديد منع توزيع الأرباح لسنوات 2019 حتى 2025؛ وإعادة تقييم عقارات محددة حتى 31 كانون الأول 2026؛ مع إمكانية إدخال 75% من فروقات التقييم ضمن الشريحة الأولى من رأس المال الأساسي؛ وفق شروط. والأهم، أن التسجيل بالليرة يتم وفق أسعار صرف متعددة، ما يعني أن السياسة التنظيمية نفسها تُكرّس تعدد أسعار الصرف كأداة تسجيل وتقييم، بما يقوّض قابلية المقارنة والتدقيق.
هذه المحاور الثلاثة تُظهر أن الأولوية العملية هي إستمرار إدارة الأزمة بالتعاميم (Resolution by Circulars)، بحيث ترسم خطاً تنفيذياً واضحاً يتمثل بالسيولة الخارجية أولاً، إطار التسامح في ميزانيات المصارف ثانياً، وشراء الوقت تنظيمياً ثالثاً. لكنها لا ترتقي، حتى الآن، إلى إعلان سياسة نقدية متكاملة تُعيد تعريف ميزانية مصرف لبنان وتكشف فجوتها بمقاييس شفافة.
لا معالجة حقيقية للأزمة
ومن زاوية نقدية موضوعية؛ يمكن القول إن السياسة النقدية التي ينتهجها كريم سعيد، مهما كان أثرها التنفيذي في ضبط مسارات محددة؛ لا تكفي وحدها لمعالجة حقيقية للأزمة، او لتأسيس شفافية مالية. فالتحدي الذي يواجه أي حاكم لمصرف لبنان، ليس في إدارة استمرارية الازمة النظامية؛ بل في تقديم منهجية مختلفة مستحدثة، خلاقة، مواكبة لتطوّرات العالم المالي الحديث، والبدء بتقديم ميزانيات مالية لمصرف لبنان قابلة للتدقيق، تبيّن بوضوح كيف تكوّن أصولها ومطلوباتها؛ وتتيح للرأي العام وللمؤسسات الرقابية فهم الفجوة وآليات معالجتها ضمن إطار قانوني ومحاسبي متماسك.
بمعنى، ان نلتمس، كمرحلة أولى، الانتقال من إدارة الأزمة بالتعاميم إلى إدارة “البيت الداخلي لمصرف لبنان” عبر كشفٍ منهجيٍ للمركز المالي وآليات تصحيحه؛ بدلاً من أن نبقى في حلقة التمديد والتعديل لقرارات سابقة صدرت في مراحل مختلفة خلال الأزمة، سواء خلال حاكمية رياض سلامة أو في المرحلة الانتقالية بعده. أي أننا أمام إدارة قطاع مصرفي مأزوم بأدوات احترازية، مع إضافة تنظيمية للخارج أكثر منها للداخل. لكنها لا تُنتج حقيقة مالية قابلة للتدقيق العام والمساءلة.
البيانات المالية لمصرف لبنان
إذا انتقلنا من “سجل التعاميم” إلى “البيان المالي”؛ تظهر فجوة من نوع مختلف؛ هي فجوة الإفصاح والشفافية. فالميزانية نصف الشهرية المؤقتة بتاريخ 31 كانون الثاني 2026، والمحتسبة على أساس سعر منصة 89500 ليرة للدولار، تظهر ما يلي:
– احتياطات أجنبية سائلة تعادل 11.947 مليار دولار.
-سحب على المكشوف (Overdraft) لصالح الدولة ضمن بند القروض للقطاع العام بقيمة 16.518 مليار دولار.
– حيازة يوروبوندز سيادية ضمن محفظة الأوراق المالية بقيمة سوقية 1.5316 مليار دولار.
-بند مستقل لتكاليف مؤجلة ناتجة عن عمليات السوق المفتوحة؛ بمعنى أن كلفة هذه العمليات لم تُعالج كتكلفة محققة بالكامل؛ بل استمرت كعنصر مؤجل.
إلا أنّ هذه الميزانية، بالرغم مما تتضمنه من أرقام كبيرة؛ تُبقي أكبر بند ضمن المطلوبات، أي ودائع القطاع المالي التي تفوق 7.395 تريليون ليرة؛ نحو 82.63 مليار دولار؛ كتلة واحدة غير مفككة؛ من دون فصل منهجي بين الليرة والودائع بالعملات الأجنبية؛ ومن دون بيان للمطلوبات بالعملات الأجنبية تجاه المصارف وعدم تحديث الاحصاءات المنفصلة؛ ومن دون جدول استحقاقات؛ ومن دون توضيح يشرح كيف ولماذا تتحرك حسابات إعادة التقييم وصندوق تثبيت القطع بهذا الحجم.
وهنا تبرز ملاحظة مهمة، بين 15 كانون الثاني 2026 و31 كانون الثاني 2026؛ انخفض بند “حسابات إعادة التقييم” من نحو 1.233 تريليون ليرة إلى نحو 931 تريليون ليرة خلال أسبوعين، أي انخفاض بنحو 302.30 تريليون ليرة، يعني حوالي 24.5 في المئة، ويعادل تقريباً 3.38 مليارات دولار. هذا التغير لا يمكن تقييمه مهنياً من دون بيان يشرح طبيعته، هل هي أرباح محققة أم فروقات تقييم أم إعادة تصنيف؟ هل هو استعمال ضمن آليات التدخل؟ هل هو تصحيح قيود؟ أم فروقات تسجيل؟ إن غياب هذا التوضيح لا يجعل الرقم خاطئاً بالضرورة؛ لكنه يجعله غير قابل للتحقق؛ وبالتالي غير صالح ليكون قاعدة لتسجيل الفروقات او لتوزيع الخسائر والارباح.
وبالمثل؛ يبقى بند “التكاليف المؤجلة من عمليات السوق المفتوحة” بنداً يحتاج إلى تفسير نوعي: ما هي مصادره؟ ما هي آجاله؟ ما هي كلفة الفوائد المؤجلة؟ وكيف سينعكس استهلاكه على الأرباح والخسائر وعلى رأسمال مصرف لبنان؟ فإبقاء الخسائر أو الأكلاف على قاعدة المؤجل، من دون جدول واضح يحدد التكلفة؛ نكون أمام ميزانية متوازنة شكلياً؛ لكنها غامضة اقتصادياً، تخفي الكثير تحت ارقامها.
من هنا؛ يصبح النقد المهني للحاكم كريم سعيد، في شقه المتصل بالشفافية، سؤالاً بسيطاً ومباشراً: هل اقترنت التعاميم بخطوة موازية لإعادة بناء عرض ميزانية مصرف لبنان بطريقة شفافة وواضحة؟ أم أن هناك ارتكابات ضمن بيت المصرف المركزي الداخلي يُراد التستر عليها؟
أين يبدأ الإصلاح؟
إن كثافة التعاميم قد تكون مفهومة في سياق إدارة أزمة ممتدة؛ لكنها لا تُغني عن نقطة الانطلاق الإصلاحية؛ وهي شفافية “بيت مصرف لبنان الداخلي”. وأبرز الفجوات التي تمنع تحويل الميزانية المرحلية إلى ميزانية شفافة قابلة للتدقيق العام هي:
• غياب الفصل المنهجي بين الليرة والودائع بالعملات الأجنبية في عرض الميزانية؛ بما يمنع قياس الفجوة بالعملات الأجنبية؛
• استمرار تعدد أسعار الصرف في التسجيل والتقييم؛ بما يضعف المقارنة ويُنتج فجوات.
• هيمنة حسابات إعادة التقييم بوصفها كتلة ضخمة؛ مع غياب جداول التفسير المحاسبي.
• وجود بنود تؤجل الكلفة أو تعيد تصنيفها، مثل التكاليف المؤجلة من عمليات السوق المفتوحة، من دون جداول إطفاء التكلفة وأثر واضح على الأرباح والخسائر.
• غياب بيانات متممة لازمة لأي تدقيق، فصل المطلوبات بحسب العملة وبحسب المقيم وغير المقيم؛ جداول استحقاقات؛ وتوضيح للضمانات والأصول والقيود.
بالمحصلة، الأداء يُقاس بالقرارات لا بالتصريحات. وما صدر خلال هذه المرحلة يُظهر توجهاً تنفيذياً يقوم على الحفاظ على السيولة الخارجية؛ تشديد القيود على التسديد الانتقائي بالعملات الأجنبية؛ ومنح المصارف هوامش تنظيمية عبر رأس المال وإعادة التقييم؛ مع تنظيم قنوات الدفع والامتثال في اقتصاد نقدي متضخم.
لكنه في المقابل؛ لم يُترجم حتى الآن إلى النقلة المطلوبة في الشفافية المالية لميزانية مصرف لبنان؛ وهي الشرط الأول لأي معالجة عادلة للفجوة؛ وأي نقاش قانوني جدي حول توزيع المسؤوليات بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف.



