لم تكن الزيادة الأخيرة على ربطة الخبز الأولى من نوعها، لكنها تأتي في سياق تصاعدي واضح في الأسعار. ففي التعميم السابق، حُدّد سعر ربطة الخبز بنحو 77 ألف ليرة لبنانية في المحالّ التجارية، قبل أن يصدر التعميم الجديد رافعاً السعر إلى 85 ألف ليرة. عملياً، تعني هذه الخطوة زيادة قدرها 8 آلاف ليرة للربطة الواحدة، أي 10% دفعة واحدة.
وقد تبدو الزيادة رقمياً محدودة، لكنها بالنسبة إلى آلاف العائلات التي تعتمد على الخبز كغذاء أساسي يومي تشكّل عبئاً إضافياً يتكرّر مع كل شراء. وتكتسب هذه المقارنة معناها الكامل عند وضعها في السياق الأوسع حيث هناك عدوان إسرائيلي، ومئات آلاف النازحين، مترافقة مع تقلّبات في أسعار النفط والشحن عالمياً. في ظل هذه العوامل، لا تبدو الزيادة الحالية سوى حلقة جديدة في سلسلة ارتفاعات تضغط تدريجياً على أكثر السلع ارتباطاً بالأمن الغذائي للفقراء.
لا يرتبط سعر ربطة الخبز بعامل واحد فقط، بل بعدّة عوامل مترابطة في سلسلة الإنتاج والتوزيع، أولها سعر القمح المُستورد. والعامل الثاني يتمثّل في كلفة الطاقة. فالأفران تعتمد على المازوت أو الكهرباء لتشغيل الآلات، وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعار المازوت للإنتاج يرفع الكلفة النهائية للمنتج فوراً.
وفي ظل التوترات العسكرية في المنطقة وتقلّب أسعار النفط عالمياً، يبقى هذا العامل أحد أهم مصادر القلق بالنسبة إلى القطاع. وتضاف إلى ذلك كلفة النقل والتوزيع، التي ارتفعت بسبب ارتفاع سعر البنزين عالمياً والرسوم التي فرضتها الحكومة أخيراً على استهلاك هذه المادة، فضلاً عن الظروف الأمنية التي قد تعرقل حركة الشحن أو تزيد كلفتها. كما يلعب توقّف الدعم أو انتهاء برامج التمويل الدولية دوراً أساسياً.
فمع توقّف مصرف لبنان عن دعم بعض المواد الأساسية المرتبطة بالإنتاج، وانتهاء القرض المُخصّص لدعم الخبز من البنك الدولي، أصبحت الأسعار تُحتسب أكثر وفق كلفة السوق الفعلية. لهذا، يخشى كثيرون أن تكون الزيادة الأخيرة مجرّد بداية، خصوصاً إذا استمرت الحرب في المنطقة أو ارتفعت أسعار النفط والشحن عالمياً.
إلا أنّ القلق لا يتعلق فقط بالخمسة والثمانية آلاف ليرة المُضافة اليوم، بل بما قد يأتي بعدها. فأسعار النفط عالمياً تشهد تقلّبات حادّة في ظلّ التصعيد العسكري في المنطقة، وأي ارتفاع جديد في كلفة المحروقات أو النقل قد ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج والنقل والتوزيع. وعندها، قد لا تبقى الزيادة الحالية سوى محطة أولى في سلسلة زيادات أخرى، في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى الدعم أكثر من أي وقت مضى.
كما أنّه لا يستطيع أحد من المعنيين أن يتنبّأ بمستقبل سعر ربطة الخبز، لأنّ الوضع الحالي يبقى مرهوناً بالمجهول. وفي هذا السياق، يؤكد وزير الاقتصاد عامر بساط لـ«الأخبار»، أنّ ارتفاع أسعار مادتي البنزين والمازوت، أدّى إلى ارتفاع الكلفة، ما أدّى إلى الزيادة المُعلنة، خصوصاً في ظلّ الآلية المُتّبعة منذ وقت طويل. إلا أنّه في المقابل، يشدّد على أنّ العامل الأهم هو تأمين الخبز، مشدّداً على أنّ «توافر الخبز خط أحمر».
أمّا أمين سر اتحاد نقابات الأفران والمخابز في لبنان نعيم خواجة فيرى أنّ الأفران لا يمكنها تحمّل الكلفة الإضافية الناتجة من ارتفاع أسعار المحروقات. ويضيف: «في أكلاف كتير ما حسبناها». ويعتبر أنّ الزيادة تبقى محدودة إذا ما قورنت بارتفاع بعض أسعار المواد الغذائية منذ بداية الحرب إلى ما يفوق الـ40%، خصوصاً تلك التي يتم تصنيعها في لبنان».
في بلدٍ يعيش جزء كبير من سكانه تحت خط الفقر، لا تُقاس زيادة ربطة الخبز بالأرقام فقط. فالحديث عن بضعة آلاف من الليرات قد يبدو تفصيلاً في جداول الأسعار، لكنه بالنسبة إلى آلاف العائلات يعني كلفة إضافية تتكرّر كل يوم. وإذا كانت تقلّبات النفط وأسعار القمح والشحن هي المبرّر اليوم لرفع السعر، فإن السؤال الأساسي الذي يبقى بلا جواب: إلى أين يمكن أن يصل ثمن لقمة الخبز؟



