في وقتٍ تتقلّب فيه أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية بين صعودٍ حذر وتراجعٍ طفيف، يداهم عامل الوقت الحكومة اللبنانية لفتح باب التفاوض الجدّي مع الدائنين. صحيح أنه لا يزال أمامنا عام ونصف العام لغاية آذار 2028 لانتهاء مهلة تعليق حقّ الدولة بالإدلاء بدفوع مرور زمن المهل التي تسري على مطالبات حاملي سندات الـ”يوروبوندز” الصادرة عنها. فماذا سيحلّ في ذلك التاريخ إذا لم تُنجز الإصلاحات المطلوبة، باعتبار أن قانون الفجوة المالية سيستغرق إنجازه وقتاً؟
تتراوح أسعار سندات اليوروبوندز حالياً بين 25 و26 سنتاً للدولار، مقارنةً بـ6 سنتات منذ انفجار الأزمة المالية في نهاية العام 2019. فبعد تمديد فترة إسقاط أصل الدين لحاملي سندات اليوروبوندز بما فيها الفوائد في عملية تسديدها، لم يسقط حقّ الدائنين بالمطالبة بدينهم أو رفع دعاوى، وإنما يكسب أصحاب الدين جولة تفاوضية قد تحقّق لهم مكاسب أعلى، وبالتالي تكسب الدولة وقتها لإنجاز الإصلاحات المطلوبة، فتكون بحوزتها ورقة للتفاوض مع أصحاب السندات. لكن ماذا لو حلّ وقت الاستحقاق ولم تستطع الدولة إنجاز متطلباتها؟
حول ذلك، أوضح مستشار مالي لـ”نداء الوطن” أنه إذا لم نصل في العام 2028 إلى تفاوضٍ حقيقي مع الدائنين، فإن ذلك يعني أن البلاد لا تزال في أزمة، وستضطرّ الحكومة حتماً إلى تمديد فترة إسقاط الدين وحق المطالبة بسداد الدين وفوائده.
وبرأي هذا الخبير أن “المعضلة الكبرى التي قد تحول دون بدء التفاوض مع حاملي سندات الـ”يوروبوندز” هي الوضع الأمني أو السياسي. وفي ما عدا ذلك، أي إذا كانت المشكلة في الوضع المالي، فإن ذلك لا يحول دون حلّ مسألة الدين الخارجي ومباشرة التفاوض مع الدائنين”.
وحول الوقت الذي ستستغرقه دراسة قانون الفجوة المالية وتشريعه، يقول المصدر نفسه، ان المأمول هو أن “تنتهي الحكومة من إقرار قانون الفجوة المالية قبل العام 2028، وأن يكون التصوّر مع صندوق النقد بات أوضح، ليكون تفاوضنا مع الدائنين واضحاً بدوره. فمسألة التفاوض مع الدائنين يجب أن تدخل ضمن مهام الحكومات التي ستتعاقب، وعدم بقاء الدولة في موقع العاجز أو غير المبالي أو المهمل لالتزاماتها”.
إذا حلّ العام 2028 من دون إنجاز المترتبات المذكورة آنفاً، سيتمّ التمديد لتعليق مهل سداد الدين والفوائد، لأن أصحاب السندات لن يبقوا مكتوفي الأيدي ويرضون بإسقاط حقهم في المطالبة بالسداد. ولو لم يتمّ التمديد السابق لفترة استحقاق السداد، لكان قد تمّ حتماً رفع دعاوى من قبل حاملي سندات الـ”يوروبوندز” على الدولة اللبنانية لحفظ حقّهم في الفوائد المستحقة وفي أصل دين السندات.
رفع الدعاوى
من جهته، أكد الأستاذ الجامعي المتخصص بالقوانين المالية مروان القطب لـ”نداء الوطن” أن “تمديد فترة تعليق استحقاق 9/3/2020 من السندات بالعملة الأجنبية هو خطوة لفتح باب التفاوض المنتظم في إعادة هيكلة سندات الـ”يوروبوندز”. مع العلم أن إمكانية رفع الدائنين دعاوى مع التعليق لا تعني حتماً أن حاملي السندات سيمتنعون عن رفع دعاوى، ولكن رفع الدعاوى لم يعد مُلزماً لهم لحفظ حقّهم”.مشيراً الى أن “”الدائن عادةً يفضّل الدخول في مرحلة التفاوض بدلاً من رفع الدعاوى لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة”.
وفي هذا السياق، يقول القطب “أن الصناديق المالية تشتري سندات اليوروبوندز عندما تنخفض قيمتها لتحقيق مكاسب، وبالتالي تكون قد درست ملفها جيداً عند شراء السندات اللبنانية، وتريد في العام 2028 إما الدخول في مرحلة التفاوض أو رفع دعاوى إذا لم تدعُ الدولة إلى التفاوض ولم تُمدّد مجدداً مهلة حقّ الدائنين برفع دعاوى لتسديد استحقاقات أصل وفائدة الدين أمام المحاكم الأميركية المختصة بقضايا سندات اليوروبوندز، وفق العقد. كما أن ضرورة إيجاد حلّ لحالة التعثّر التي أُعلنت في حكومة حسان دياب عام 2020 أمرٌ لا بدّ من وضع مسار لمعالجته مع دخولنا السنة السابعة من انفجار الأزمة.
قرار التعليق
وكان قد جاء في طلب وزارة المالية المقدّم إلى مجلس الوزراء، والذي أقرّه في 7 كانون الثاني من العام 2025 : “طلب الموافقة على تعليق حقّ الدولة اللبنانية بالإدلاء بدفوع مرور الزمن، التي تسري على حق المطالبة باستحقاقات سندات الخزينة بالعملة الأجنبية Eurobonds الصادرة ضمن البرنامج المتوسّط الأجل لإصدار سندات خزينة بالعملات الأجنبية Global Medium Term Note Program”.
وتبيّن أنه بتاريخ 7/3/2020 قرّر مجلس الوزراء بموجب قراره رقم 1 تعليق سداد استحقاق 9/3/2020 من السندات بالعملة الأجنبية (اليوروبوندز)، ومن ثم قرّرت الحكومة بتاريخ 23/3/2020 تعليق دفع جميع مستحقات سندات الخزينة بالعملة الأجنبية، ولم يكن من الممكن في ذلك التاريخ إتمام خطة إعادة هيكلة هذه السندات (Eurobonds) بسبب الأوضاع المالية والاقتصادية والسياسية والأمنية المعاكسة التي تمرّ بها البلاد.
وتبيّن أن وزارة المالية أفادت أن مهلة مرور الزمن القانونية، أي مهلة مطالبة حاملي السندات بفائدة وأصل الدين، وفق قانون ولاية نيويورك هي 6 سنوات تسري من تاريخ استحقاق كل دفعة لكل شطر من شطور السندات، إضافة إلى بنود مهل مرور الزمن المنصوص عليها في شروط الإصدارات، وقد أثارت قلق حاملي السندات والمؤسسات المالية المعنية”.
انطلاقاً من كل تلك المعطيات، وفي حال أنجزت الحكومة قانون الفجوة المالية قبل العام 2028، فإن حظوط عدم التمديد لفترة تعليق حقّ الدولة بالإدلاء بدفوع مرور زمن المهل التي تسري على مطالبات حاملي سندات الـ”يوروبوندز قائم، ومن شأنه أن يضع لبنان على مسار الإصلاح للخروج من أزمته التي طالت، مقارنة مع سائر الدول التي شهدت أزمات نظامية مماثلة والتي امتدت كحد أقصى الى 9 سنوات مثل اليونان .



