حذّر برنامج الأغذية العالمي امس الثلاثاء من تداعيات متسارعة وخطيرة على سلاسل الإمداد الغذائية العالمية، في ظل الاضطرابات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وأكد أن الأزمة الحالية تُعد من أعقد التحديات التي واجهها منذ جائحة كوفيد – 19 واندلاع الحرب في أوكرانيا، وهما الحدثان اللذان تسببا سابقًا في اضطرابات غير مسبوقة في التجارة العالمية وإمدادات الغذاء.
وقالت كورين فليشر، مديرة سلاسل الإمداد في البرنامج، خلال مؤتمر صحفي في جنيف إن “نحو 70 ألف طن من المساعدات الغذائية تأثرت بهذه التطورات تأثرا مباشرا”.
◄ العالم قد يقترب من حاجز 400 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، وهو مستوى غير مسبوق يعكس عمق الأزمة وتعقيداتها
وأوضحت أن نصف هذه الكميات عالق على متن سفن شحن لم تعد مساراتها واضحة بسبب اضطراب خطوط الملاحة، بينما لا يزال النصف الآخر محتجزًا في موانئ تعاني من اختناقات تشغيلية وتأخيرات متزايدة.
وترتبط هذه الأزمة، بشكل غير مباشر، بتعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي يُعد أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، فضلًا عن جزء كبير من حركة الشحن التجاري.
ويؤدي أي اضطراب في هذا الممر إلى تأثيرات متسلسلة تشمل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وإعادة توجيه السفن إلى مسارات أطول، ما يفاقم الضغط على الموانئ العالمية ويُبطئ حركة السلع، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية.
وتأتي هذه التطورات في وقت لم تتعافَ فيه سلاسل الإمداد العالمية بالكامل من تداعيات الأزمات السابقة، فقد أدت الجائحة إلى تعطيل واسع في الإنتاج والنقل.
وفي عام 2022 تسببت الحرب في أوكرانيا في اضطراب إمدادات الحبوب والأسمدة، نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه أوكرانيا وروسيا في صادرات القمح والذرة عالميًا.
كما أسهمت التغيرات المناخية، من موجات جفاف وحرائق وفيضانات، في تقليص الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق الحيوية، ما زاد من هشاشة النظام الغذائي العالمي، وجعل الأسواق أكثر حساسية لأي صدمات جيوسياسية جديدة.
كورين فليشر: اضطرابات سلاسل الإمداد تتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة
وأكدت فليشر أن الاضطرابات الحالية في سلاسل الإمداد تتزامن مع ارتفاع ملحوظ في تكاليف المعيشة، خاصة في الدول النامية، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والنقل إلى زيادة أسعار الغذاء بشكل مباشر.
وأشارت إلى أن هذه العوامل قد تدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى براثن الجوع الحاد بحلول يونيو المقبل، لينضموا إلى أكثر من 360 مليون شخص يعانون أصلًا من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
ويعني ذلك أن العالم قد يقترب من حاجز 400 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، وهو مستوى غير مسبوق يعكس عمق الأزمة وتعقيداتها.
ويحذر البرنامج من أن هذه التطورات لا تؤثر فقط على الأسواق، بل تقوّض أيضًا قدرته على تنفيذ عملياته الإنسانية، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف الشحن والتأخير في وصول الإمدادات إلى تقليص كفاءة توزيع المساعدات الغذائية، خصوصًا في مناطق النزاعات مثل القرن الأفريقي واليمن وأفغانستان.
كما أن تأخر الشحنات، أو إعادة توجيهها، قد يؤدي إلى نقص في الإمدادات الغذائية في بعض المناطق الحساسة، ما يهدد بحدوث أزمات إنسانية حادة، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل شبه كلي على المساعدات الدولية.
ويرى خبراء أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يُبقي سلاسل الإمداد العالمية تحت ضغط لفترة طويلة، خاصة إذا تواصلت الاضطرابات في الممرات البحرية الحيوية أو توسعت رقعة النزاع.
وفي هذه الحالة قد تتحول الأزمة الحالية من صدمة مؤقتة إلى أزمة هيكلية تؤثر على استقرار الأسواق الغذائية العالمية لسنوات.
وفي ظل هذا المشهد المعقد يدعو برنامج الأغذية العالمي إلى تعزيز التنسيق الدولي، وتسريع إجراءات دعم سلاسل الإمداد، وتوفير تمويل إضافي للعمليات الإنسانية، لتفادي انزلاق ملايين الأشخاص إلى مستويات أكثر حدة من الجوع والفقر.



