الرئيسية اقتصاد لبنان «الإصلاح» بالتراضي: 21 مليون دولار لـMEAS بلا منافسة

«الإصلاح» بالتراضي: 21 مليون دولار لـMEAS بلا منافسة

يتّجه مجلس الإنماء والإعمار إلى إبرام اتفاق رضائي جديد مع شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات (MEAS)، لصيانة وتشغيل مباني ومنشآت مطار رفيق الحريري الدولي لمدة سنة، من 9 تشرين الأول 2026 حتى 8 تشرين الأول 2027، بقيمة 20.9 مليون دولار. ففي إشعار مُسجّل في 17 أيلول ومُعلن على موقع هيئة الشراء العام، أعلن المجلس أنه «يعتزم» إجراء الاتفاق، بالاستناد إلى قرار مجلس الوزراء الرقم 19 وإلى الفقرة الثالثة من المادة 46 من قانون الشراء العام. لكنّ الإشعار نفسه يضع مسؤولية توافر شروط التعاقد بالتراضي على «الجهة الشارية دون سواها». وهنا يبدأ السؤال: أين هذه الشروط؟

قانون الشراء العام يجعل المناقصة العمومية هي الأصل، إذ تنص المادة 42 على أن الشراء العام يجري «بصورة أساسية بواسطة المناقصة العمومية». أمّا الاتفاق الرضائي، فهو استثناء تحكمه حالات وشروط محدّدة. ويستند مجلس الإنماء والإعمار إلى الفقرة الثالثة من المادة 46، التي لا تمنح حقاً مفتوحاً بالتجديد، بل تشترط، مجتمعة، أن تحصل الحاجة أثناء تنفيذ العقد، وأن تكون هناك «عجلة قصوى»، وأن تكون الخدمات أو الأشغال الإضافية مكمّلة للشراء الأساسي، وألّا يضر ذلك بالمنافسة، والأهم ألّا يكون ممكناً توقّع الحاجة الإضافية مُسبقاً.

فأين هذه الشروط؟ عندما أُبرم الاتفاق الرضائي السابق مع MEAS في عام 2025 لمدة سنة، أي كان معروفاً متى سينتهي. فما الحاجة التي لم يكن ممكناً توقعها؟ وما «العجلة القصوى» التي استجدّت؟ وإذا كانت هناك ضرورة تقنية تفرض استمرار MEAS، فأين الدراسة التي تثبتها؟ ولماذا لم تُستخدم السنة السابقة لإعداد دفتر شروط وإطلاق مناقصة عمومية؟

المفارقة أن هذا الأمر يأتي بعد أيام من وقوف رئيس الحكومة نواف سلام أمام مجلس النواب متحدّثاً باسم «حكومة الإصلاح والإنقاذ»، ومدافعاً عن الشفافية والمسؤولية اللتين تقول السلطة إنها تنتهجهما. لكن الممارسة تُظهِر شيئاً آخر، وهذا العقد نموذج «مثالي» على ذلك: نحو 21 مليون دولار لعقد سنوي، حاجته معروفة مُسبقاً، يتّجه مجدّداً إلى المتعهّد نفسه بالاتفاق الرضائي، من دون أي منافسة.

يُذكر أنّ أصل العلاقة التعاقدية، يعود في أعمال الصيانة والتشغيل إلى عقد موقّع في 24 تشرين الثاني 1998، فيما تعود المستندات المتعلقة بالصفقة الحالية إلى شروط ذلك العقد الأساسي. وبعد نحو 28 عاماً، لا تزال العلاقة مستمرة، فيما أُسندت إلى MEAS الأعمال في عام 2025 أيضاً باتفاق رضائي لمدة سنة وبالقيمة نفسها تقريباً.

وتزداد المفارقة عند النظر إلى ملكية الشركة. فـMEAS تابعة لمجموعة طيران الشرق الأوسط (MEA)، فيما يملك مصرف لبنان الحصّة الساحقة في MEA. والمصرف نفسه يخوض اليوم، في عهد حاكمه كريم سعيد، حملة عنوانها المحاسبة والشفافية، وأعلن في تموز مواصلة «نهج ثابت في مكافحة الفساد». وهذا لا يجعل المصرف مسؤولاً عن قرار مجلس الإنماء والإعمار اعتماد الاتفاق الرضائي، لكنه يطرح سؤالاً عن تطبيق مبادئ الحوكمة نفسها على الشركات التي يملكها بصورة شبه كاملة.

وكما هي حال العديد من العقود التي تحظى شركاتها بحظوة لدى السلطة، لا يعرف الرأي العام شيئاً عن الصفقة إلا بعدما تكون قد قطعت شوطاً متقدّماً. ففي هذه الحالة، لم تكن هناك منافسة أو عروض متنافسة أصلاً، بل ظهر، فجأة، إشعار الاتفاق الرضائي بعدما اتّخذ مجلس الإنماء والإعمار قرار التلزيم المؤقّت لمصلحة MEAS في 20 آب.

هنا يصبح «الإصلاح» مجرّد شعار. فإصلاح الشراء العام لا يعني وجود قانون وهيئة ومنصة تُنشر عليها الصفقات فحسب، بل أن تصبح المنافسة هي القاعدة والاستثناء مُبرّراً فعلاً. وإذا كانت المبرّرات القانونية والتقنية موجودة، فيُفترض نشرها. أمّا أن تعرف الدولة مُسبقاً موعد انتهاء عقد بقيمة 21 مليون دولار، ثم تصل إلى الموعد لتعود إلى المتعهّد نفسه باتفاق رضائي جديد، فيبقى السؤال قائماً: لماذا لم تُطرح صيانة وتشغيل المطار في مناقصة عمومية؟ سؤال آخر في عهدة حكومة تدّعي الإصلاح كلّما هبّت رياح الفساد من جانبها، فيما لا تزال تجد في الاستثناءات القانونية ممراً للالتفاف على القاعدة.

مصدرجريدة الأخبار - زينب بزي
المادة السابقةوفد حكومي سوري رفيع يضم 6 وزراء يزور لبنان غدًا لحضور المنتدى اللبناني السوري للإستثمار 2026
المقالة القادمةخطة كريم سعيد لتوزيع الخسائر وإعادة هيكلة المصارف: تصفير الرساميل دون المسّ ببنية الملكية