إستمرار ارتفاع الإيجارات قد يتحوّل الى قنبلة إجتماعيّة
بعض المالكين رفعوا الإيجارات حتى 500%
عدد النازحين يُمثل نحو 15% من السكان
مئات آلاف النازحين اضطروا الى ترك وظائفهم وأعمالهم
مع تصاعد وتيرة الحرب المدمرة على لبنان من قبل العدو الإسرائيلي، اضطرت آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها والنزوح هربا من القصف العنيف، ما أفرز أزمة سكن جديدة تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتكشف هشاشة السياسات السكنية، وغياب الرقابة على سوق الإيجارات.
هذا النزوح خلق ضغطا غير مسبوق على المدن والبلدات التي اعتبرت أكثر أمانا، حيث بدأ النازحون بالبحث عن أي مسكن متاح ولو كان صغيرا أو مؤقتا، في ظل امتلاء مراكز الإيواء التي وفرتها الدولة ، وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين، الذين يقضون لياليهم في ظروف قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية والأمان.
وقد أشارت وحدة إدارة الكوارث في تقريرها اليومي إلى أن عدد النازحين “المسجلين ذاتيا” منذ 2 آذار الجاري بلغ 759 ألفا و300 نازح، بينهم أكثر من 122 ألف شخص في مراكز إيواء رسمية تشرف عليها الحكومة. وأوضح الباحث في مركز “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين أن عدد النازحين يمثل نحو 15% من سكان لبنان.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب تسببت بنزوح ما يقارب 700 ألف شخص خلال أيام قليلة، ما شكل ضغطا على البنية السكنية والخدمات الأساسية في البلاد.
استغلال الأزمة
ومع ارتفاع بدلات الإيجار بشكل غير مسبوق، نتيجة الطلب المتزايد على الشقق مقابل عرض محدود ، بات العثور على مسكن مهمة شبه مستحيلة لآلاف العائلات النازحة، ما اضطرها للنوم في السيارات، أو نصب خيام على الشواطئ والحدائق، أو الإقامة المؤقتة لدى أقارب وأصدقاء، واضطرت عائلات أخرى إلى التنقل بين مناطق عدة بحثا عن إيجار أقل، في مشهد يعكس حجم الأزمة الإنسانية والاجتماعية التي تتفاقم مع استمرار الحرب.
تقول سيدة نزحت مع أطفالها من إحدى القرى الحدودية، إنها قضت أياما تبحث عن مسكن من دون جدوى، “بسبب الأسعار التي لا تخف وطأتها عن القصف، فأحد المالكين طلب ألف دولار لشقة صغيرة لا تتجاوز غرفتين”، مضيفة “في الليالي الأولى نام أطفالي على قطع كرتون قرب الرصيف يرتجفون من البرد، ويسألونني متى سنعود إلى منزلنا، بعدها ذهبنا إلى إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء”، واكدت صعوبة الحياة، رغم أمان المكان من القصف.
أما علي وهو موظف نزح مع عائلته يقول: “إن رحلة البحث عن منزل تحولت إلى معاناة يومية “، مضيفا “نعيش الآن عند أحد الأقارب في شقة صغيرة يسكنها أصلا سبعة أشخاص، فقد أصبحنا 12 شخص في المنزل”.
ويشير خبراء في القطاع العقاري إلى أن بعض المالكين رفعوا الإيجارات حتى 500%، مستفيدين من الفوضى وغياب الرقابة، حيث تعود أزمة السكن إلى غياب سياسة واضحة وآليات تنظيمية، تمنع استغلال النازحين وضعف النظام السكني، وغياب برامج الإسكان الاجتماعي وخطط الطوارئ ، لمواجهة موجات النزوح المفاجئة.
ويحذر الخبراء من أن استمرار ارتفاع الإيجارات قد يتحول إلى قنبلة اجتماعية تهدد الاستقرار ، إذ لا يؤثر الغلاء على النازحين فقط ، بل يثقل كاهل السكان المقيمين الذين يواجهون ضغوطا معيشية متزايدة.
الفقر يتفاقم بين النازحين والمقيمين
لا تقتصر معاناة النازحين على فقدان المنازل فحسب، بل تمتد إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية بشكل حاد، فحسين وهو مزارع فقد منزله ومصدر رزقه يقول : “كنت أملك منزلا وأرضا أزرعها، اليوم أعيش مع عائلتي في خيمة مؤقتة” ، ويتابع “الحرب لا تدمر البيوت فقط، بل تدمر حياة الناس كلها، واليوم أبحث عن أي عمل لدفع إيجار غرفة صغيرة لعائلتي”.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 44% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر النقدي، بينما يعاني ما يقارب 80% من السكان من الفقر متعدد الأبعاد المرتبط بنقص الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية.
وتشير تقارير أممية إلى أن مئات آلاف النازحين اضطروا إلى ترك وظائفهم وأعمالهم، نتيجة القصف وتدمير البنية الاقتصادية في العديد من المناطق.
كما تظهر تقديرات حديثة أن أكثر من 1.6 مليون شخص في لبنان، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم مئات آلاف العائلات التي تضررت مباشرة من النزوح والحرب ، ما يعني أن شريحة واسعة من النازحين باتت تعيش اليوم تحت خط الفقر أو على حافة الفقر.
ويرى خبراء اقتصاديون أن النزوح الواسع قد يدفع نسبة الفقر إلى مستويات أعلى خلال الأشهر المقبلة، خصوصا في ظل ارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وغياب شبكات الحماية الاجتماعية الفاعلة.



