في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تصعيد عسكري متسارع، نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد تتأثر بشكل ملحوظ. فقد دفعت المخاطر الأمنية المتزايدة في منطقة الخليج والممرات البحرية الحيوية عدداً من شركات الشحن البحري العالمية إلى اتخاذ إجراءات احترازية، شملت تعليق بعض حجوزات الشحن إلى موانئ في الشرق الأوسط وإعادة توجيه السفن أو تقليص عمليات العبور عبر مضيق هرمز. ومع هذه التطورات، يبرز تساؤل مهم حول مدى انعكاس هذه الإجراءات على تدفق السلع الأساسية، وما إذا كانت قد تشكل ضغطاً إضافياً على الأمن الغذائي في دول الخليج العربي.
الاعتماد على الاستيراد؟
بالرغم من التصعيد العسكري وما يرافقه من اضطرابات في حركة التجارة الدولية، تشير تقديرات اقتصادية إلى أنه من غير المرجح أن تتعرض دول الخليج لتأثيرات سلبية تخص أمنها الغذائي جراء توقف شركات الشحن الدولية، لأسباب عديدة. فقد وضعت دول الخليج العربي مجموعة من الخطط، بعد جائحة فيروس كورونا، التي عطلت إمدادات سلاسل التوريد، ورغم تأثيرات جائحة كورونا، إلا أن الأمن الغذائي في منطقة الخليج لم يتأثر نتيجة السياسات التي اتبعت حينها، للحفاظ على السلع واستقرار أسعارها، وبعد الحرب الروسية -الأوكرانية، اتخذت أيضا دول الخليج مجموعة من القرارات لحماية أمنها الغذائي، من خلال التشجيع على الإنتاج الزراعي، ومساندة الشركات الخاصة بالتصنيع الغذائي من خلال تطويرها ودعمها.
أضف إلى ذلك، فقد عمدت دول الخليج إلى توفير مخزون استراتيجي للمواد الغذائية لفترة تتعدى 6 أشهر لبعض السلع، وفترات أطول تصل إلى 9 أشهر لسلع أخرى مثل الأرز.
يقول الخبير المالي والاقتصادي محمد أكبر في حديث لـ”المدن”: إن للحرب تأثيرات على المنطقة بشكل عام وعلى الخليج خاصة وأن خطوط الملاحة البحرية قد تتعرض لاضطرابات نتيجة التوترات العسكرية في المنطقة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السفن وتأخير بعض الإمدادات”.
ويضيف: “تعتمد دول الخليج والمنطقة على استيراد السلع، وبالتالي فإن توقف حركة التجارة البحرية ستكون له تداعيات، إلا أنه وفيما يتعلق بالسلع الغذائية، فإن دول الخليج بدأت باعتماد سياسات الاكتفاء الذاتي، وتشجيع الصناعات المحلية، في إطار الرؤى الاقتصادية للأعوام 2030 و2035″. ويشير إلى أن أزمة فيروس كورونا وما تبعها من حرب روسية -أوكرانية، دفعت السلطات الخليجية إلى تأمين مخزون استراتيجي لمواجهة أي أزمات سياسية أو اقتصادية”.
وبالأرقام، تحتل قطر المرتبة 24 من حيث الأمن الغذائي في العالم اعتباراً من العام 2021، وتحتل المرتبة الأولى بين دول الخليج العربي، وفقاً لمؤشر الأمن الغذائي العالمي، وتأتي الكويت والإمارات وسلطنة عمان والبحرين، والسعودية بعد قطر على التوالي. وهذا يشير إلى أنها من بين الدول الأكثر أماناً غذائياً وفقاً لمؤشر الأمن الغذائي العالمي، الذي يُراعي توافر الإمدادات الغذائية، وتوافرها بأسعار معقولة، نظراً للسياسات المتبعة، ومن ضمنها وجود مخزون استراتيجي يكفي مواطنيها.
ماهية الاستيراد
وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الغذائية، إلا أنها تمتلك بنية لوجستية ومخزونات استراتيجية تساعدها على امتصاص الصدمات. وبحسب بيانات صادرة عن PwC، تستورد دول الخليج نحو 85% من إجمالي غذائها، حيث تشكل واردات الأرز ما يقارب كامل الاستهلاك المحلي، إضافة إلى نحو 93% من الحبوب، و62% من اللحوم، و56% من الخضراوات. ومع ذلك، تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي من المناطق التي نجحت بالعمل خلال السنوات الماضية على تعزيز منظومات الأمن الغذائي لديها عبر تنويع مصادر الاستيراد وتطوير سلاسل الإمداد والتخزين.
وتشير التقديرات إلى أن قدرة دول الخليج، رغم اعتمادها الكبير على الاستيراد، على إدارة منظومات الأمن الغذائي من خلال تطوير البنية التحتية اللوجستية وتعزيز المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية، إضافة إلى التوسع في استخدام التقنيات الزراعية الحديثة والاستثمارات الخارجية في القطاع الزراعي، تساعدها على الحد من تأثير أي اضطرابات دولية أو تقلبات في حركة التجارة العالمية.
كيف تواجه دول الخليج الأزمة؟
اتخذت دول الخليج، عدة استراتيجيات أنية للحفاظ على استقرار الأسواق، وهو ما يبرز من خلال ما قامت به دولة قطر، قبيل نهاية شباط، أعلنت وزارة التجارة والصناعة في قطر، عن توفّر السلع بكميات وافرة واستمرار تدفق البضائع بصورة طبيعية ومنتظمة.
كما عمدت إلى إفتتاح 22 فرعاً تجارياً على مدار 24 ساعة، لرفع سهولة الوصول وتقليل الضغط التراكمي على منافذ البيع في ساعات الذروة.
كذلك الأمر بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، اذ كشفت وزارة التجارة عن تنفيد 10192 زيارة رقابية خلال الأسبوع الأول من الحرب، للتحقق من وفرة السلع التموينية والاستهلاكية، وإلزام نقاط البيع بعرض الأسعار وفق الأنظمة، وضبط أي محاولات للتأثير على الأسعار.
وبحسب وسائل إعلام سعودية، فقد رسّت المملكة في الثاني من أذار، الدفعة الثانية من القمح المستورد للعام 2026 بكمية 794 ألف طن، لتعزيز المخزون الاستراتيجي وتلبية احتياجات شركات المطاحن في مناطق المملكة كافة.
أما بالنسبة إلى الإمارات، فقد كشفت الحكومة عن مخزون استراتيجي يمتد بين أربعة وستة أشهر، موزَّع على مستوى البلاد، مع متابعة يومية لكميات المخزون لدى الموردين والمراكز التجارية الكبرى.
ومع بداية الحرب، سارعت وزارة الصناعة والتجارة في كل من البحرين والكويت، إلى التأكيد حول وجود كفاية من المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية الأساسية واستقرار أسعارها في ضوء المستجدات الإقليمية.



