على رغم البلبلة التي تسببت بها الأخبار المتداولة حول إحباط أجهزة مطار رفيق الحريري الدولي لعملية تهريب مخدرات في طرد مُرسل إلى السعودية، تؤكد المعطيات الرسمية أنَّ فتح سوق المملكة أمام المنتجات اللبنانية أصبح قرارًا محسومًا من الجانب السعودي. ومع ذلك لا يبدو الطريق البري باتجاه المملكة معبَّدًا بالكامل. لا بل تعترضه عقبة أساسية، وتتمثل في غياب جهاز “السكانر” لمراقبة حمولات الشاحنات قبل خروجها من لبنان، بالإضافة إلى غياب آليات واضحة للرقابة المطلوبة، ولا سيما عند معبر المصنع الحدودي، والذي يشكل البوابة البرية الرئيسية للصادرات اللبنانية نحو الدول العربية.
عمليًا إذًا، بدأت بعض البضائع اللبنانية تشق طريقها نحو المملكة، ولكن فقط عبر البحر والجو. وفيما سمحت السعودية أيضًا لشاحنات الترانزيت اللبنانية بعبور أراضيها نحو الإمارات العربية ودول الخليج، لا يزال التصدير البري إلى السعودية مباشرة متعثرًا.
السعودية غير مقتنعة
برأي نقيب سائقي الشاحنات المبردة أحمد حسين فإن المملكة لا تبدو مقتنعة حتى الآن بالإجراءات التقنية والفنية على الحدود البرية، خلافًا للسائد في مرفأ بيروت ومطار رفيق الحريري.
إلا أنَّ شكوى حسين الأساسية هي من غياب التوضيحات الشفافة من قبل المعنيين للأسباب التي استثنتهم حتى الآن من دخول السعودية مع شاحناتهم. مشيرًا إلى أنَّ مشكلة النقل البري إلى السعودية قد لا تختزل بالسكانر، وإنما أيضًا بالتأخير الحاصل في إصدار تأشيرات دخول السائقين من قبل السفارة السعودية. هذا بالإضافة إلى اشتراط السعودية ألا يتجاوز عمر الشاحنة 20 عامًا، في حين أنَّ توقف التصدير طوال ست سنوات حال دون تجديد الأسطول اللبناني. لافتًا إلى أنه حتى لو شُرعت أبواب البر أمام المنتجات اللبنانية، فإن 25 بالمئة من أسطول الشحن اللبناني لن يستوفي الشروط، وهذا ما يتطلب استثناءات تسمح بدخول عدد أكبر من الشاحنات إلى الأراضي السعودية، ريثما يتم تحديث أسطول الشاحنات المبردة مجددًا بما يتلاءم مع المواصفات المطلوبة، تسهيلًا لعبور المنتجات الزراعية التي تحتاج إلى شاحنات مبردة وقد لا يكون البحر أو الجو ملائمين لتصديرها.
يكشف حسين في المقابل أنه قبل ست أشهر فقط، وقبل أن تقرر السعودية رفع الحظر عن المنتجات اللبنانية، كان هناك جهاز سكانر “شغّال” في المصنع. وقد جرى نقل هذا الجهاز من مسرب الدخول إلى لبنان إلى مسرب الخروج منه، في محاولة لإثبات النوايا الجيدة باتجاه المملكة لحثها على رفع الحظر عن لبنان. ولكن هذا الجهاز تعطّل بعد أن اصطدمت به شاحنة، ومنذ ذلك الحين لم تجرِ أي محاولة لإصلاحه.
ولكن على رغم هذا العطل في “سكانر المصنع” نجحت حمولات من المنتجات الزراعية اللبنانية من عبور طريق الترانزيت عبر السعودية باتجاه الإمارات العربية وقطر لأول مرة منذ أقفلت السعودية أبوابها أمام جميع شاحنات التصدير القادمة من لبنان. ولفت وزير الزراعة نزار الهاني لـ “المدن” إلى أنّ هذا العبور جاء نتيجة لجهد بذل على مستوى الوزارات المعنية. متحدثًا عن جهد مشابه بُذل مع وزارة الزراعة في السعودية من أجل إعادة تعريف أسس بروتوكول الحجر الزراعي، تمهيدًا لفتح الأبواب أمام المنتجات اللبنانية. كما لفت إلى بدء الاستعدادات على مستوى وزارته للمشاركة في المعرض الزراعي الذي ستنظمه السعودية بشهر تشرين المقبل على أراضيها.
غير أنّه وفقًا لنقيب سائقي الشاحنات المبردة، فإنّ الشاحنات التي عبرت السعودية إلى دول الخليج، استحصلت على تأشيرة “أونلاين” وضعت على بطاقة دخول الشاحنة إلى بلد ثالث كالأردن أو غيره، وهو ما تسمح به السلطات السعودية. متخوفًا من أن يكون التأخير في تركيب سكانر على المصنع، مقدمة لتعطيل دور المرفق البري في نقل البضائع، وحصره في البحر والجو.
بحثٌ موسع
مع أنّ السعودية لا تتدخل في شكل الإجراءات الأمنية الإحترازية التي ستتخذها الدولة اللبنانية على معابرها الرسمية وفقًا لما أكده وزير الزراعة نزار هاني لـ”المدن”، فقد شكّل جهاز السكانر الغائب عند معبر المصنع مادة بحث موسع على مستوى الإدارات والهيئات المعنية منذ رفعت السعودية الحظر عن البضائع اللبنانية، خصوصًا أنَّ نحو عشرين بالمئة من الصادرات اللبنانية إلى الخليج، تختار طريق البر.
وفي هذا الإطار كشف مصدر معني لـ”المدن” أنّ أياً من المعنيين في الدولة اللبنانية لا يريد أن يتخذ قرارًا بتسيير الشاحنات إلى المملكة قبل تجهيز السكانر، خصوصًا أنّ الخطأ هذه المرة سيكون مكلفًا جدًا.
ولفت المصدر إلى أنَّ كلفة تركيب جهاز على المعبر البري قد تصل إلى ثلاثة ملايين دولار، وهي كلفة اعتبرها غير مرتفعة قياسًا لما تتيحه من إعادة تفعيل الصادرات البرية تدريجيًا نحو الأسواق الخليجية.
وبحسب المصدر، فإن وزارة المالية قد تكون اقتنعت بهذه المعادلة، وهي تتجه إلى رصد المبلغ المطلوب، علمًا أنّ الهيئات الاقتصادية والصناعيين أبدوا رغبة بتأمين المبلغ المطلوب لشراء السكانر إذا كان ذلك يشكل حلًا، إلا أنّ عرضهم هذا رُفض تمامًا، والتوجه حاليًا هو لرصد المبلغ المطلوب من قبل وزارة المالية.
ينفي المصدر المعني في المقابل ما يتم تداوله في أوساط السائقين عن كون السكانر المعطل حاليًا يفي بالحاجة في حال تم إصلاحه، لافتًا إلى حاجة لبنان عند معابره البرية لأجهزة رقابة شبيهة لتلك الموجودة في المرفأ ومطار رفيق الحريري، والتي يقول إنها مجهزة بأنظمة ذكاء اصطناعي تسمح بكشف أي خرق في حال وجد.
معضلة السكانر
شكلت معضلة السكانر عند نقطة المصنع إذًا مادة أساسية طُرحت على أكثر من طاولة رسمية في الأسابيع الماضية. وقد بحثت الاجتماعات سلسلة اقتراحات بديلة عن السكانر لتسيير الخط البري أسوة بالخطين البحري والجوي، إلا أنها كلّها اصطدمت بعراقيل أو رفض من قبل الجهات المعنية.
وكانت أبرز تلك الاقتراحات وفقًا لمصدر معني بالمباحثات، لمدير عام الجمارك في مرفأ بيروت غراسيا القزي، وقضت بأن تخضع شاحنات التصدير لمراقبة السكانر الموجود في مرفأ بيروت، على أن تجري “رصرصة” حمولتها ومرافقتها أمنيًا حتى نقطة المصنع. إلا أنّ هذا الاقتراح وجد اعتراضات من الشركة المديرة لمحطة الحاويات في مرفأ بيروت، كما من المصدرين الذين سيواجهون صعوبات التنقل بين الداخل والساحل ومن ثم البقاع وصولًا إلى نقطة عبور المصنع.
إلا أنه وفقًا لما صرح به وزير الزراعة نزار الهاني لـ “المدن” فإن السكانر قد يكون عنصر مكمل لإجراءات الرقابة المطلوبة، ولكنّه لن يكون عامل تعطيل لأسطول الصادرات إلى السعودية. وعليه يكشف الهاني عن تقدم لخيار تكليف شركات المراقبة الدولية، مثل Bureau Veritas وغيرها لتتولى الإشراف على الشحنات وتتبعها من الحقل حتى منفذ التصدير، بما يؤمن رقابة كاملة على سلسلة الإنتاج والتصدير.
وانطلاقًا من هنا يتوقع الهاني تشغيل الأسطول البري خلال أيام قليلة، بعد أن تُذلل العقبات الفنية. إلا أن ذلك يبقى مرتبطًا بالقرارات النهائية التي ستتخذ، والتي يتوقع أن تتبلور صورتها خلال اجتماع يعقد يوم الاثنين في وزارة الاقتصاد بحضور ممثلين عن وزارتي الزراعة والصناعة وعن الهيئات والقطاعات المعنية، مع ترقب بأن يحسم آلية الرقابة المطلوبة على المعابر البرية، تمهيدًا لترجمة قرار الانفتاح السعودي على المنتجات اللبنانية بشكل كامل.



