الرئيسية اقتصاد دولی الشتاء قادم: أزمة الغاز الطبيعي المسال التي لا يمكن لأوروبا تجاهلها

الشتاء قادم: أزمة الغاز الطبيعي المسال التي لا يمكن لأوروبا تجاهلها

مع اقتراب فصل الشتاء الأوروبي، تجد القارة العجوز نفسها أمام تحدٍّ طاقي خطير لا يمكن تجاهله. مستويات مخزونات الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً في هذا الوقت من السنة، وسط اضطرابات جيوسياسية مستمرة في الشرق الأوسط تؤثر بشدة على إمدادات الغاز الطبيعي المسال.

وترسم التقارير الإعلامية الغربية صورة متشائمة: أوروبا تدخل موسم التدفئة بمخزونات ضعيفة، وأسعار مرتفعة، ومنافسة شرسة مع آسيا على الشحنات المتاحة.

وبحسب بيانات منصة غاز إنفراستراكشر أوروبا (جي آي إي)، بلغت مستويات التخزين في الاتحاد الأوروبي حوالي 66% في أوائل سبتمبر 2026، مقارنة بمتوسط تاريخي يقترب من 80-83% في الفترة نفسها من العام الماضي.

هذا المستوى هو الأدنى منذ نحو عقد ونصف أو أكثر، وفق تقديرات فايننشال تايمز وود ماكنزي. بدأت موسم إعادة التعبئة في الربيع بمخزونات منخفضة جداً، حوالي 28% فقط بعد شتاء بارد استنزاف المخزونات. وحتى نهاية أغسطس، كانت المستويات تحوم حول 65%، مع توقعات بأن تصل في أفضل الحالات إلى 70-75% بحلول الأول من نوفمبر، بعيداً عن الهدف التقليدي البالغ 90% أو حتى الهدف المرن البالغ 75-80% الذي وضعته المفوضية الأوروبية.

ويعود السبب الرئيسي لهذه الأزمة إلى الحرب في الشرق الأوسط التي اندلعت في أواخر فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وأغلقت هذه الحرب مضيق هرمز جزئياً أو كلياً لفترات طويلة، وهو الممر الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، معظمها من قطر والإمارات. تعرضت منشآت الغاز القطرية في رأس لفان لأضرار، مما أجبر الدوحة على إعلان القوة القاهرة وخفض الصادرات بشكل حاد. حتى بعد محاولات سلام مؤقتة، لم تعد التدفقات إلى مستوياتها السابقة، ويتوقع محللون أن يستغرق الإصلاح سنوات، مع تأخر أي توسعات قطرية كبيرة إلى النصف الثاني من 2027 أو ما بعده.

أوروبا، التي اعتمدت بشكل متزايد على الغاز المسال بعد تقليص الاعتماد على الغاز الروسي عبر الأنابيب، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع المشترين الآسيويين. الصين واليابان وكوريا الجنوبية وحتى دول مثل بنغلاديش سارعت لشراء الشحنات المتاحة بأسعار مرتفعة لتعويض النقص القطري.

وسجلت واردات آسيا من الغاز المسال الأميركي أرقاماً قياسية في أشهر الصيف، بينما انخفضت واردات أوروبا إلى أدنى مستوياتها منذ سبتمبر 2024 في بعض الأشهر. حسب بيانات كبلر، كانت واردات أوروبا في يوليو حوالي 6.3 مليون طن فقط. أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية إلى أكثر من 60 يورو للميغاواط ساعة، ثم إلى نحو 70 يورو في أوائل سبتمبر، وهي أعلى مستويات منذ أوائل 2023.

وهذه الأسعار المرتفعة لم تشجع الشركات على التخزين بقوة خلال الصيف. كانت منحنيات الأسعار الآجلة في بعض الفترات تشجع على الانتظار، حيث كانت أسعار الشتاء أقل من أسعار الصيف، مما قلل الحوافز التجارية لإعادة الملء.

وحذرت وود ماكنزي من أن أوروبا تواجه عجزاً هيكلياً في التخزين، حتى في سيناريو أفضل الحالات الذي يفترض عودة جزئية للإنتاج القطري. أما رويترز وبلومبرغ فقد أشارتا إلى أن القارة قد تضطر إلى “شراء قسري” خلال الشتاء بأسعار أعلى، مما يزيد الضغط على الأسر والشركات.

ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه أوروبا لفرض حظر كامل على واردات الغاز المسال الروسي اعتباراً من الأول من يناير 2027، بعد حظر العقود قصيرة الأجل سابقاً. كان الغاز الروسي لا يزال يشكل نسبة ملحوظة من الواردات (حوالي 14% في بعض التقديرات الأخيرة)، واعتمدت أوروبا بشكل كبير على الغاز المسال الأميركي الذي بات يشكل نحو ثلثي وارداتها من الغاز المسال و30% من إجمالي وارداتها الغازية.

وهذا الاعتماد المتزايد على مصدر واحد يثير مخاوف بشأن الأمن الطاقي، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية.

كما فاقم الصيف الجاف والحار فاقم المشكلة أيضاً. انخفضت مستويات الخزانات الكهرومائية في أوروبا بسبب الجفاف، مما زاد الاعتماد على الغاز لتوليد الكهرباء. في الشتاء، إذا كان الطقس بارداً، قد تسحب أوروبا بين 72 و77 مليار متر مكعب من المخزونات، وفق تقديرات بعض المحللين. ومع مخزونات منخفضة، ستحتاج القارة إلى واردات غاز مسال أعلى من العام السابق، مما يعني منافسة أشد مع آسيا ودفع أسعار أعلى قد تؤدي إلى تقنين في الدول الأفقر أو ارتفاع فواتير الطاقة في أوروبا.

المفوضية الأوروبية أكدت مراراً أن المستويات الحالية لا تثير مخاوف فورية بشأن الأمن، وأن هدف 80% كافٍ، وأن هناك طاقة استيعابية فائضة في محطات إعادة التغويز تسمح بزيادة الواردات الشتوية. لكن المحللين في إكوينور وود ماكنزي وإنغ يحذرون من أن الوصول حتى إلى 75% سيكون صعباً، وأن شتاءً بارداً أو استمرار الاضطرابات في هرمز قد يعيد سيناريوهات مشابهة لأزمة 2022، وإن لم تكن بالحدة نفسها بعد.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةلماذا بدأت الديون الأميركية تُثير القلق؟
المقالة القادمةإجراءات ماليّة خاصّة في مشروع موازنة 2027