الفشل في البلوك 9 تحوّل الى أمل جديد في البلوك 8!!! ماذا يعني توقيع عقد “المسح الزلزالي” اليوم في البلوك 8؟

يحاول لبنان تحويل ملف النفط والغاز إلى قطاع حيوي يدرّ عليه الموارد المالية، في حال جرى اكتشاف أول بئر للغاز في أحد بلوكاته في المنطقة الاقتصادية التابعة له، ليلحق برِكاب الدول المصدّرة للنفط في العالم. ولهذا يقوم منذ سنوات بدورات تراخيص لتلزيم بلوكاته البحرية، وحتى الآن لم يحصل سوى على عروض من قبل كونسورتيوم الشركات نفسه، المكوّن من “توتال إنرجي” و”إيني”، و “قطر إنرجي”، الأمر الذي يُثير التساولات حول بعض الضغوطات التي يمارسها عليه هذا التحالف الدولي، لكيلا يوقّع مع سواه.

وفي خطوة مكمّلة لهذا الملف علّه يصل الى خاتمة سعيدة، تُشكّل بداية صفحة جديدة لقطاع النفط في لبنان، توقّع وزارة الطاقة والمياه اليوم الجمعة عقد مسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد مع الكونسورتيوم نفسه، لاستكشاف البلوك 8 في المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة.

هذا العقد الذي كان يفترض أن يتمّ توقيعه خلال الصيف الماضي، من ضمن دورة التراخيص الثانية التي تناولها قانون تمديد المهل، وليس الثالثة التي أقفلت في 28 تشرين الثاني الفائت. على أنّ هذا العقد يمتدّ لمدة ثلاث سنوات، يتخلّلها جمع بيانات جيولوجية متقدمة تُستخدم لتقييم مدى وجود احتياطات نفطية أو غازية قابلة للاستغلال، ومن ثم يُقرّر التحالف إذا كان سيباشر حفر بئر استكشافية في البلوك 8 أم لا.

فما هي تداعيات هذا العقد، الذي يُجمّد بشكل مبدئي عملية الحفر والتنقيب في هذا البلوك، لمدة لا تقلّ عن أربع سنوات حتى اتخاذ القرار النهائي بشأنه، وما سيكون عليه مصير البلوك 9 الذي لم يُقرّر الكونسورتيوم حفر بئر ثانية فيه ، بعد حفر البئر الاولى في حقل قانا؟!

تقول مصادر خبيرة في قطاع النفط إنّ المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد هو الأساس العلمي، الذي يعتمد عليه قبل اتخاذ قرار حفر أي بئر. فهو يزوّد الشركات والسلطات بمعلومات تفصيلية عن تركيب الصخور والطبقات الجيولوجية تحت قاع البحر، ويكشف عن احتمالات وجود كميات تجارية من الثروة النفطية. وبدون هذه البيانات، فإن حفر آبار استكشافية يبقى مكلفًا وعشوائيًا ويؤدي ربما إلى خسائر مالية ضخمة.

غير أنّه كان يفترض أن ينتهي لبنان خلال أشهر من المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد للبلوك 8، سيما أنّ شركة “تي.جي. أس”، النروجية – الأميركية المتخصصة في المسوحات الجيوفيزيائية، قد كُلّفت القيام بهذا المسح لمساحة تبلغ نحو 1300 كلم² في البلوك 8، من أصل مساحته الإجمالية التي تصل إلى 1400 كلم². علماً بأنّ هذا البلوك لم تشمله المسوحات القديمة، بسبب النزاع على حدوده مع “إسرائيل”، وذلك قبل توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية معها. غير أنّ قرار وزير الطاقة جو صدّي بوقف عمل الشركة المذكورة حال دون ذلك، رغم حصولها على ترخيص لإجراء المسح خلال عهد الوزير السابق وليد فيّاض، الذي كان وقّع معها عقدًا غير حصري في 4 كانون الأول من العام 2024، ينصّ على إنجاز المسح خلال عام، كما ينصّ على تسويق البيانات والدراسات الخاصة التي تنتج منه. ولو لم يوقف صدّي جميع أنشطة باخرة المسح، بعد وصولها في أيلول المنصرم من قبرص إلى البلوك 8 لمباشرة عملها، لكان المسح انتهى في أيلول المقبل، ولكان وفّر لبنان عليه 3 سنوات إضافية من الوقت المهدور سدى.

علماً بأنّ الباخرة امتثلت قرار صدّي وغادرت المياه اللبنانية في 7 تشرين الاول المنصرم، بعد تهديدها بخسارة رخصة الاستطلاع غير الحصرية. مع الإشارة إلى أنّه كان مقرّرا ألا تكتفي بمسح البلوك 8، بل عدد من المناطق في البلوكين 5 و6 أيضاً، من أجل تطوير الداتا الموجودة لديها. كما كان مقررًا أن تعمل سريعاًعلى تحليل الداتا، وإعداد التقرير عن النتائج خلال شهرين، بما يسمح للدولة بالتفاوض على شروط دورة التراخيص الثالثة من موقع قوة.

أمّا اليوم فيعود لبنان ليضع مصير التنقيب عن النفط والغاز في بلوكاته البحرية بيد كونسورتيوم الشركات، الذي لا يبدو مستعجلا، لكي يتفجّر النفط والغاز من البئر الأولى في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة له. الأمر الذي يضع علامات استفهام حول أسباب المماطلة والتأخير، وحول عدم قيام الدولة اللبنانية بالعمل على تسريع هذا الملف.

فما هي الرهانات الاقتصادية والسياسية والأمنية المتوقّعة، مع بدء المسوحات الزلزالية الثلاثية الأبعاد في البلوك 8؟ تجيب المصادر المطلعة بأنّ على لبنان الانتظار خلال السنوات المقبلة. وفي حال أثمرت المسوحات عن بيانات إيجابية، تُشير إلى وجود كتل هيدروكربونية يمكن أن تكون تجارية، سيواجه الكونسورتيوم قرارا استثماريا صعبا: هل يستثمر في حفر بئر استكشافية بتكلفة عالية؟ أم يؤجل القرار؟ والاختيار سيعتمد على تقديرات الربحية والمخاطر البيئية والسياسية وتلك المتعلّقة بالتسويق.

وفي حال لم تؤدِ المسوحات في البلوك 8 إلى اكتشاف تجاري، فإن توقيع العقد يبعث برسالة أن لبنان لا يزال مفتوحا للاستثمار في القطاع، وهو عامل يمكن أن يؤثر في سياسات الطاقة الإقليمية، وفي قوة لبنان التفاوضية مع شركات دولية أخرى.

من هنا، تلفت المصادر الخبيرة الى أنّ توقيع العقد مع الكونسورتيوم لا يعني بالضرورة نجاحا فوريا في اكتشاف الموارد، لكنه يمثل انتعاشاً في قطاع طُمِر لسنوات، بسبب النزاعات السياسية والأمنية. لكن الواقع ليس ورديا، فحتى لو وجدت كميات قابلة للاستخراج، فإن تطوير البنية التحتية ومعالجة الموارد وتصديرها يتطلب سنوات، فضلًا عن استثمارات جديدة في منشآت الإنتاج والأنابيب وربطها بسوق عالمي. كما أن لبنان ليس لديه بعد شركة وطنية قوية لإدارة هذه الموارد، ما يعني اعتمادا كبيرا على الشركات الأجنبية.

وعلى الصعيد السياسي، تجد المصادر المطلعة أنّ هذا العقد يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة توترات إقليمية مستمرة، لا سيما في المنطقة الجنوبية اللبنانية، حيث تبقى المخاطر الأمنية المتعلقة بالتوتر مع “إسرائيل” عامل ضغط دائم. وقد سبق أن أثرت هذه التوترات سلباً في أول نشاط استكشافي في حقل قانا في البلوك 9.

وتتوقّع المصادر بالتالي أن يقوم الكونسورتيوم بالتخلّي عن البلوك 9، فور توقيع عقد المسح الزلزالي في البلوك 8، وإعادته إلى الدولة اللبنانية، سيما أنّه لم يُقرّر حفر أي بئر ثانية فيه. الأمر الذي سيعيد إدخاله في دورة تراخيص جديدة لإعادة تلزيمه لشركات نفطية أخرى.

وتشير المصادر الخبيرة إلى أنّ البلوك 9 كان محور أمل كبير قبل أن يبدأ العمل فيه في صيف العام 2023 بواسطة الكونسورتيوم نفسه. وكان الهدف هو حفر أول بئر استكشافية جادة في المياه اللبنانية بعد ترسيم الحدود. لكن بعد إكمال الحفر، لم يُعلن حتى الآن عن أي تقرير نهائي واضح النتائج، ما أثار موجة من التوتر بين وزارة الطاقة والشركة المشغّلة، إذ اتهمت الوزارة في بعض التصريحات الشركة بعدم تسليم التقرير في الوقت المناسب.

علماً بأنّ الشركة تحدّثت عن أنّه لم يتمّ العثور على كميات تجارية من النفط أو الغاز في البئر الاستكشافية في البلوك 9، إذ وصلت الحفارة إلى أعماق كبيرة، ولم تظهر مؤشرات تسرّب غاز أو كمية تجارية يمكن اعتبارها قابلة للاستثمار، ما أدى إلى اعتبار عملية الحفر “جافة” في هذا الموقع.

وهذا الفشل في العثور على كمية هيدروكربونات قابلة للاستغلال في البلوك 9، وهو أحد أهم المواقع المتوقع استغلاله، هو أول مؤشر قوي بأن آمال لبنان في إنتاج الغاز البحري ليست عملية سهلة التحقيق، وقد يكون له تأثيرات كبيرة في ثقة المستثمرين وفي تقييم الجدوى الاقتصادية لعمليات الاستكشاف المستقبلية.

وتخلص المصادر الخبيرة في قطاع النفط إلى القول إنّ توقيع العقد اليوم لا يعد إنجازاً بمعناه النهائي، لكنه بالتأكيد خطوة ضرورية لتحريك ملف الاستكشاف في المياه اللبنانية نحو الأمام، وخطوة أولى في رحلة طويلة ومعقّدة بالنسبة للبنان. ففي ظلّ النتائج غير المشجعة من البلوك 9 حتى الآن، يتحوّل البلوك 8 إلى أمل جديد، وإن كان هذا الأمل مرتبطاً بنتائج علمية، قد لا تظهر إلا بعد سنوات من العمل والتحليل.

ويبقى الوقت والبيانات هما الحكم النهائي: فإذا أثبتت المسوحات وجود موارد تجارية في البلوك 8، قد يشهد لبنان حقبة جديدة من الاستثمار في الطاقة، أما إذا جاءت النتائج ضعيفة أو متردية، فستبقى مصادر الطاقة اللبنانية في دائرة الانتظار والتأجيل، ما يعيد النقاش حول أفضل السبل للاستفادة من ثروات البحر بطريقة تحترم الاقتصاد الوطني والسيادة، أو بالتفتيش عن الثروة النفطية في البرّ.

مصدرالديار - دوللي بشعلاني
المادة السابقةمصرف لبنان يقر إجراءات قانونية لاسترجاع الأموال المهدورة
المقالة القادمةنواف سلام يطرق باب المجتمع الدولي بإصلاحات ماليّة ومصرفيّة للخروج من اللائحة الرماديّة