رتَّبَ الموظّفون والعمّال الخاضعون لنظام العمل مستقبلهم على خيار الاستفادة من تعويض نهاية الخدمة، علّه يسعفهم في بدء مشروع صغير يضمن لهم دخلاً آمناً بعد التقاعد. إلاّ أنّ الانهيار الاقتصادي والمالي والسياسي والأمني قضى على قيمة التعويض، وأعاد إلى الأذهان الحديث عن أهمية المعاش التقاعدي الذي يتكيَّف مع الظروف المستجدّة. ولكن رغم صدور قانون إنشاء نظام التقاعد والحماية الاجتماعية الرقم 319 في العام 2023، بقي التنفيذ عالقاً في مستنقع المراسيم التطبيقية وفي وحل التطوير الإداري في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعلى رأس ذلك التطوير تعيين مجلس إدارة للصندوق.
وخلف الكواليس، تقبع تعقيدات أكبر تتعلّق بالتمويل، وتطال الدولة وأرباب العمل وقدرة ونيّة كل طرف على التمويل والاستمرار في التمويل رغم الظروف التي تطرأ على البلاد. ولذلك، قد لا يكون تعيين مجلس إدارة للضمان خطوة كافية، لكنّها تبقى “القشّة” التي يتعلّق بها الغريق، علّها توصله إلى برّ الأمان.
تعيين مجلس إدارة جديد
أقرّ مجلس الوزراء تعيين مجلس إدارة جديد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بعد نحو 19 عاماً على انتهاء ولاية المجلس، أي في العام 2007. ويتجاوز التعيين كونه استحقاقاً إدارياً عادياً، ليشكّل اختباراً حقيقياً لمدى جدية الدولة في استكمال تنفيذ القانون رقم 319/2023، والذي ينتقل بموجبه الموظفون والعمال من نظام تعويض نهاية الخدمة إلى المعاش التقاعدي الذي يؤمّن استمرارية الدخل بعد التقاعد، ويوسّع مظلّة الحماية الاجتماعية. وكان من الضروري إقرار التعيين ليستكمل المجلس الجديد المسار الإداري لتنفيذ القانون، وليضمن الاستدامة المالية والحوكمة في إدارة أموال الصندوق.
ويفترض أن يتولى المجلس الجديد إعداد الأنظمة التنفيذية والإشراف على تطبيق القانون، وإدارة الحوار بين الدولة وأصحاب العمل والعمّال. إلا أن هذه الخطوة، على أهميتها، لن تكون كافية إذا لم تتبعها سريعاً المراسيم التطبيقية والقرارات التنفيذية التي تسمح ببدء العمل بنظام التقاعد المنتظر. وفي هذا السياق، تقول مصادر إدارية في الصندوق إنّ “تعيين مجلس الإدارة الجديد يطلق مسار إنهاء المراسيم التطبيقية، وهي 12 مرسوماً، ليبدأ معها الانتقال نحو المعاش التقاعدي”. وتشير المصادر في حديث إلى “المدن” إلى أنّ التعيين يشكّل “بداية جديدة للصندوق، ليس فقط على مستوى الحماية الاجتماعية، وإنما أيضاً على مستوى تطوير العمل في الضمان”. وتأمل المصادر أن تواكب الدولة عمل المجلس الجديد “، وتفي بالتزاماتها تجاه الضمان، بدءاً من تسديد متوجّباتها للمساهمة في توفير المال اللازم لدفع مستحقات المضمونين، ولاحقاً تأمين التمويل المطلوب للمعاشات التقاعدية”.
حبر على ورق
مع إقرار التعيين، وعلى أهميته، يبقى المسار طويلاً نحو تنفيذ القانون. إذ أنّ المراسيم التطبيقية ليست مجرّد تفصيل تقني بسيط يسهل إنجازه. فالوصول إلى نظام التقاعد الجديد يعني المرور بالتعقيدات المالية والاقتصادية والسياسية، الذي بدوره يرتّب التزامات على الدولة وأصحاب العمل تمتد لعقود، خلافاً لنظام تعويض نهاية الخدمة الذي يقوم على دفع مبلغ واحد عند انتهاء علاقة العمل. ولذلك، فإن نجاح النظام المنتظَر يتطلب اتفاقاً بين الدولة وأصحاب العمل والعمال على مجموعة من المسائل الأساسية، أبرزها تحديد نسب الاشتراكات، وحجم مساهمة الدولة في التمويل، وآلية الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد، وكيفية حماية أموال الصندوق من التضخّم وتقلّبات سعر الصرف، بما يضمن الحفاظ على القيمة الفعلية للمعاشات التقاعدية. وهذه التعقيدات “تجعل النظام الجديد أمراً مرعباً بالنسبة للدولة وأرباب العمل”، تقول المصادر، التي تشير إلى أنّه “في الظاهر، لا أحد يرفض النظام الجديد في جوهره، لكن الجميع يعلم أنّ الملفّات التي تعتمد على التمويل، لا تبصر النور سريعاً، وإذا حصل، يبقى التطبيق مجتزءاً”، علماً بأنّ الهيئات الاقتصادية أكّدت مراراً أنّ نجاح هذا النظام يستند إلى ضمان الاستدامة المالية، وتحديداً من جهة الدولة. وتتخوّف الهيئات من انتهاء التطبيق إلى تحميل أرباب العمل عبء التمويل مع عدم التزام الدولة بالدفع للضمان، فيتحوّل التطبيق إلى زيادة الأعباء المالية على أرباب العمل.
وبين الدولة والهيئات الاقتصادية، يقبع العمّال في انتظار ما يحمي تقاعدهم وسط التقلّبات السريعة التي تؤثّر في معيشتهم. وأوّل ما قد يواجههم في تطبيق القانون في حال الانتهاء من المراسيم التطبيقية، هو “معضلة تبخّر المعاش التقاعدي بفعل التضخّم، خصوصاً أنّ المعاشات المصرّح عنها للضمان، والحد الأدنى للأجور، لا تتناسب مع مستوى التضخّم والغلاء المعيشي. وبالتالي سيتبخّر المعاش التقاعدي على أرض الواقع. وفتح ملفّ تصحيح الأجور هو معركة طويلة المدى بين العمّال والدولة وأرباب العمل”، بحسب المصادر.
والقانون الذي انتظر نحو 23 سنة لإقراره، وما زال ينتظر المراسيم التطبيقية (من إعداد مسودة القانون في العام 2000 إلى إقراره في اللجان النيابية المشتركة في العام 2023)، ينص على أن “لا يقل المعاش التقاعدي عن أفضل إحدى الضمانتين:
للمضمون الذي اشترك لمدة 15 سنة كاملة، نسبة 55 بالمئة من الحد الأدنى الرسمي للأجور، المعتمد بتاريخ التقاعد، وتزاد هذه النسبة 1.75 بالمئة عن كل سنة اشتراك إضافية، لتبلغ في حدّها الأقصى 80 بالمئة من الحد الأدنى الرسمي للأجور، المعتمد في تاريخ التقاعد. على أنّه خلال الفترة الانتقالية، يمكن ربط هذه الضمانة، بمتوسط مداخيل المشتركين عوضاً عن الربط بالحد الأدنى للأجور وبطريقة تحافظ على القيمة نفسها للضمانة.
نسبة 1.33 بالمئة من متوسط أجور المشترك المصرّح عنها طيلة فترة اشتراكه في هذا النظام، والمُعاد تقييمها حتى تاريخ التقاعد، وذلك عن كل سنة اشتراك للمضمون ولغاية ثلاثين سنة كحد أقصى”.
على أنّ ربط المعاشات التقاعدية بالحدّ الأدنى للأجور أو بأحسن الأحوال بالرواتب المصرّح عنها، هو دليل إضافي على عقم النتيجة التي سيصل إليها المتقاعدون على أرض الواقع. فالأجور المصرّح عنها للضمان من قِبَل أصحاب العمل، ليست أجوراً حقيقية، وبالتالي، فإنّ المعاش التقاعدي لن يكون بالقيمة الفعلية المطلوبة. أمّا زيادة الحدّ الأدنى للأجور، فلا تخضع لآلية سريعة للتعديل وفق المتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما شهده مسار تعديل الحد الأدنى للأجور منذ العام 2019 حتى اليومـ علماً بأنّه قبل ذلك العام أيضاً، لم يكن يتناسب مع مستوى الغلاء.
ومع الاحتمال الأكبر لعدم تناسب الفكرة مع التطبيق، يبقى المعاش التقاعدي أمراً مهماً بالنسبة للموظفين والعمّال. فتحصيل الحقوق استناداً إلى قانون موجود، أفضل من غياب القانون. ولذلك، فالرهان اليوم على الوقت الذي سيظهِر إمّا “الانطلاق لتطبيق قانون نظام التقاعد والحماية الاجتماعية الذي يؤمّن حماية اجتماعية ومعاشاً تقاعدياً لكافة العاملين عند نهاية الخدمة مدى الحياة، وتأمين الحماية الصحية لهم في الوقت نفسه”، وفق تأكيد وزير العمل محمد حيدر، وإمّا السقوط في دوامة انتظار جديدة تنسف الأسباب الموجبة للقانون، ومنها تأمين الاستقرار الاجتماعي للعاملين وتعزيز الوحدة الاجتماعية الوطنية الداخلية.



