لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُحسم بالصواريخ والطائرات المقاتلة وحدها، كما لم يعد مضيق هرمز هو الجبهة الوحيدة التي تحدد مسار الصراع بين إيران ودول الخليج. فالحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من هجمات متبادلة، كشفت عن تحول نوعي في طبيعة المواجهة، إذ انتقلت المعركة من استهداف المنشآت العسكرية وناقلات النفط إلى ضرب البنية التحتية الرقمية والخدمية التي تقوم عليها الحياة اليومية والاقتصادات الخليجية.
وأصبحت المياه، والكهرباء، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والخدمات المصرفية، جميعها أهدافاً مشروعة في حرب هجينة تتداخل فيها الأدوات العسكرية مع الوسائل السيبرانية والاقتصادية والإعلامية، بما يجعل آثارها أكثر اتساعاً واستدامة من الهجمات التقليدية.
وعلى امتداد عقود طويلة، ارتبطت المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز بإمكانية إغلاقه أمام ناقلات النفط، باعتباره الشريان الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية. لكن مع اندلاع الحرب في أواخر فبراير الماضي، لم يكن إغلاق المضيق سوى البداية، بل ربما كان أقل الأدوات الإيرانية تعقيداً. فسرعان ما انتقلت المواجهة إلى مستويات أكثر تطوراً، استهدفت بنية الاقتصاد الخليجي ذاتها، حيث تعرضت أنظمة الملاحة البحرية للتشويش، وتعرضت مراكز بيانات ضخمة لهجمات بالطائرات المسيّرة، وضُربت محطات للكهرباء وتحلية المياه، بينما شهدت دول الخليج موجة غير مسبوقة من الهجمات السيبرانية، في مؤشر على أن الحرب باتت تستهدف المنظومات التي تقوم عليها الدولة الحديثة أكثر من استهداف الجيوش التقليدية.
وقد كشف هذا التحول أن التهديد الحقيقي لا يكمن في تعطيل خدمة بعينها، وإنما في الترابط الوثيق بين مختلف القطاعات الحيوية.
وعندما تتعرض مراكز البيانات لهجوم، لا يتوقف الضرر عند الخوادم الإلكترونية، بل يمتد إلى التطبيقات المصرفية ومنصات الدفع والخدمات الحكومية.
وعندما تتعرض شبكة الكهرباء لهجوم، فإن الأثر لا يقتصر على انقطاع التيار، بل يصل إلى محطات تحلية المياه التي تعتمد عليها دول الخليج لتأمين احتياجاتها اليومية، ومنها ينتقل إلى المستشفيات والصناعة والاتصالات.
وهكذا تتحول الضربة الواحدة إلى سلسلة متتابعة من الأزمات، تتجاوز بكثير الهدف المباشر للهجوم.
ولعل ما يجعل هذه المعادلة أكثر تعقيداً أن دول الخليج بنت نموذجها التنموي خلال العقود الأخيرة على فرضية الاستقرار الدائم. فقد استثمرت مئات المليارات في تحويل نفسها إلى مراكز مالية ورقمية ولوجستية عالمية، واستقطبت الشركات الدولية ومراكز الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وربطت مستقبلها الاقتصادي بقدرتها على توفير بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار. لكن الحرب الحالية أظهرت أن هذا النموذج نفسه أصبح نقطة ضعف يمكن استغلالها، إذ يكفي تعطيل مركز بيانات أو محطة كهرباء أو كابل بحري حتى تتأثر قطاعات كاملة من الاقتصاد، وتتراجع ثقة المستثمرين، وترتفع تكاليف التأمين، وتنخفض جاذبية المنطقة كمركز للأعمال.
ولم تعد آثار الحرب تُقاس بعدد الصواريخ التي تم اعتراضها أو حجم النفط الذي تم تصديره، بل أصبحت تقاس أيضاً بمدى قدرة الدول على الحفاظ على تدفق البيانات والخدمات المالية والمياه والطاقة دون انقطاع. فأسواق المال العالمية تتفاعل اليوم مع أي اضطراب في الخليج بصورة لحظية، سواء من خلال ارتفاع أقساط التأمين على مخاطر الحرب، أو زيادة تكلفة الاقتراض، أو تقلبات أسعار النفط، أو تراجع ثقة المستثمرين.
ومن ثم فإن أي هجوم محدود قد يتحول إلى أزمة اقتصادية واسعة إذا أدى إلى اهتزاز الثقة في قدرة الدولة على حماية بنيتها التحتية.
ويكتسب هذا التحدي بعداً سياسياً إضافياً في دول الخليج، حيث يقوم العقد الاجتماعي على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين مقابل الاستقرار السياسي. فالدولة الريعية لا تستمد شرعيتها فقط من قوتها العسكرية، بل أيضاً من قدرتها على توفير المياه والكهرباء والدعم وفرص العمل.
ولذلك فإن استهداف هذه الخدمات لا يهدف فقط إلى إلحاق الضرر الاقتصادي، وإنما إلى تقويض الثقة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع.
ومن هنا يرى بعض الخبراء أن إيران لم تعد تعتمد فقط على استهداف القواعد العسكرية أو المنشآت النفطية، بل باتت تستخدم ما يمكن تسميته بـ”استراتيجية استهداف الشرعية”، عبر ضرب الخدمات التي يعتمد عليها المواطن بصورة يومية.
أمام هذه التحولات، تتزايد الدعوات داخل الأوساط البحثية إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي. فبدلاً من التركيز على الدفاع الجوي أو القوات البحرية فقط، يبرز اتجاه يدعو إلى بناء منظومة شاملة للمرونة الوطنية، تربط بين الأمن السيبراني، وشبكات الكهرباء، ومحطات المياه، والكابلات البحرية، والقطاع المالي، ومراكز البيانات، باعتبارها أجزاءً من منظومة واحدة.
وتتضاعف هذه المخاطر لأن الخليج لم يعد يعتمد فقط على النفط، بل أصبح مركزاً عالمياً للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. فمشروعات مثل “رؤية السعودية 2030″، والاستراتيجيات الاقتصادية في الإمارات وقطر، تقوم على جذب الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا العالمية. غير أن هذه الخطط تصبح أكثر هشاشة إذا أصبحت المنطقة توصف بأنها بيئة مرتفعة المخاطر أو غير مستقرة أمنياً، إذ لا يحتاج الخصم إلى تدمير المشاريع نفسها، بل يكفي أن يرفع تكلفة الاستثمار فيها أو يزيد الشكوك حول استمراريتها.
كما أن طبيعة المجتمعات الخليجية تضيف بعداً آخر للهشاشة. ففي عدد من دول الخليج يشكل الوافدون غالبية السكان والقوة العاملة، ولا سيما في القطاعات التكنولوجية والخدمية.
وبالتالي فإن أي شعور بانعدام الأمن قد يدفع الكفاءات الأجنبية إلى المغادرة، وهو ما يمثل ضربة مباشرة لخطط التنويع الاقتصادي التي تعتمد أساساً على الخبرات الدولية. كما يمكن استغلال شبكات تحويل الأموال أو الحملات الإعلامية الموجهة للتأثير على هذه الفئات، بما يخلق ضغوطاً إضافية على الاقتصادات المحلية.
ولا تقتصر التحديات على الداخل، إذ إن دول مجلس التعاون الخليجي لا تواجه المخاطر بالدرجة نفسها. فبينما تمتلك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تتيح تصدير جزء من نفطهما بعيداً عن مضيق هرمز، تظل الكويت وقطر والبحرين أكثر ارتباطاً بالمضيق، ما يجعل تأثير أي إغلاق أو اضطراب متفاوتاً بين دول المجلس.
ويخشى مراقبون من أن تستغل إيران هذه الفوارق لإحداث تباينات في المواقف الخليجية أو الضغط على بعض الدول أكثر من غيرها.
ومن أبرز الدروس التي أفرزتها الحرب أن البنية التحتية الحديثة لم تعد تتكون من قطاعات مستقلة، بل من منظومة مترابطة. فمراكز الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء، كما تحتاج في الوقت نفسه إلى المياه لتبريد الخوادم.
وأما محطات تحلية المياه، فتعتمد بدورها على الطاقة الكهربائية. وبالتالي فإن استهداف شبكة الكهرباء قد يؤدي بصورة غير مباشرة إلى تعطيل إنتاج المياه، ومن ثم تعطيل تشغيل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، حتى لو لم تتعرض هذه المراكز لأي هجوم مباشر.
كما أظهرت الهجمات التي طالت مراكز البيانات في الإمارات أن سياسة توطين البيانات، التي كانت تهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية، أدت في المقابل إلى تركيز الخدمات الحكومية والمصرفية في عدد محدود من المواقع، وهو ما جعلها أكثر عرضة للاستهداف. فبدلاً من توزيع المخاطر، أصبحت قطاعات حيوية بأكملها تعتمد على عدد محدود من المنشآت التي قد يؤدي استهدافها إلى شلل واسع النطاق.
ولا يقل خطر الكابلات البحرية عن خطر مضيق هرمز. فهذه الكابلات لا تنقل البيانات فحسب، بل تشكل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي.
وقد أبرزت الحرب أن استهدافها أو تعطيل إصلاحها يمكن أن يؤثر في الاتصالات الدولية والخدمات السحابية والمعاملات المالية، تماماً كما يؤدي تعطيل ناقلات النفط إلى اضطراب أسواق الطاقة.
ولذلك لم يعد النفط وحده ما يمر عبر الخليج، بل تمر أيضاً البيانات التي أصبحت لا تقل أهمية عن الطاقة في الاقتصاد العالمي.
وأمام هذه التحولات، تتزايد الدعوات داخل الأوساط البحثية إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي. فبدلاً من التركيز على الدفاع الجوي أو القوات البحرية فقط، يبرز اتجاه يدعو إلى بناء منظومة شاملة للمرونة الوطنية، تربط بين الأمن السيبراني، وشبكات الكهرباء، ومحطات المياه، والكابلات البحرية، والقطاع المالي، ومراكز البيانات، باعتبارها أجزاءً من منظومة واحدة.
ويقترح أصحاب هذا الاتجاه إنشاء مراكز موحدة لرصد الهجمات وتحليلها، واحتياطيات استراتيجية مشتركة، وشبكات خليجية لتبادل الموارد والخدمات في حالات الطوارئ، إضافة إلى آليات مشتركة لإصلاح الكابلات البحرية وتوفير تغطية تأمينية ضد مخاطر الحرب.
وتبدو الحرب الحالية مع إيران أكثر من مجرد مواجهة عسكرية عابرة؛ فهي تكشف ملامح مرحلة جديدة من الصراعات، تتراجع فيها أهمية السيطرة على الأرض لصالح السيطرة على البنية التحتية والفضاء الرقمي والخدمات الأساسية.
ولم يعد السؤال المطروح أمام دول الخليج هو ما إذا كانت قادرة على حماية منشآتها النفطية فقط، بل ما إذا كانت قادرة على حماية شبكة مترابطة تضم المياه والكهرباء والبيانات والاتصالات والقطاع المالي في آن واحد. فالمعركة المقبلة لن تُحسم فقط في مضيق هرمز أو البحر الأحمر، وإنما أيضاً داخل مراكز البيانات، وعلى امتداد الكابلات البحرية، وفي محطات تحلية المياه، حيث باتت هذه المنشآت تشكل خط الدفاع الأول عن استقرار الخليج واقتصاده ومستقبله.



