الرئيسية اقتصاد لبنان النقل: أزمة يتكيّف معها الناس ولا تعالجها الدولة

النقل: أزمة يتكيّف معها الناس ولا تعالجها الدولة

بحجة أن «الظروف لا تسمح»، و«ما في مصاري»، وأن اللبنانيين «بكرا بيتعودوا»، يستمر التعاطي الرسمي بخفّة مع أزمة النقل البري في لبنان. قطاع هش أصلاً، تلقّى ضربات متتالية منذ جائحة كورونا، مروراً بالانهيار الاقتصادي وما رافقه من طوابير أمام محطات المحروقات وارتفاع أسعار البنزين والمازوت، وصولاً إلى أزمة مضيق هرمز التي أضافت ضغوطاً جديدة على كلفة النقل.

في كل مرة، يتكرّر المشهد نفسه: ترتفع تعرفة النقل لمواكبة ارتفاع كلفة المحروقات، فيما يبحث المواطنون عن حلول فردية للتكيّف. أمّا الدولة، فتدير أذنها الطرشاء، وحين تتحرك، تأتي المعالجة غالباً على شكل «ترقيع» مؤقّت، يؤجّل انفجار الأزمة من دون أن يستثمرها لإعادة بناء منظومة نقل مشترك قادرة على الصمود أمام الأزمات.

ربما لا تحتاج أزمة النقل إلى كثير من الأرقام لقياس حجمها. يكفي الاستماع إلى ما يقوله الناس عن أثرها في تفاصيل حياتهم: «البنزين يقضم كل الراتب. أشعر أنني أؤمّن مستقبل سيارتي وليس مستقبلي»، «الدليفري يتجاوز في كثير من الأحيان ثمن الغرض نفسه»، «أدفع 800 ألف ليرة بدل السرفيس لأصل إلى المطعم وأحتسي فنجان قهوة بثلاثة دولارات»، «القرب من المنزل صار أهم معايير اختيار مدرسة الأولاد»، «لم يعد الحصول على وظيفة هو الحلم، بل الوصول إليها».

ليست هذه مجرّد شكاوى من ارتفاع بدل النقل. إنها مؤشرات إلى تغيّر في أنماط العيش والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية. وتعكس أشكالاً مختلفة من معاناة اللبنانيين، وتكيّفهم بصعوبة مع تجاوز سعر صفيحة البنزين عتبة 30 دولاراً، وارتفاع تعرفة «السرفيس» من 300 إلى 400 ألف ليرة. البعض يختصر تنقّلاته، والبعض يلغيها.

آخرون ينتقلون إلى العمل عن بُعد، أو يتشاركون السيارات، أو يلجأون إلى الدراجات النارية. وفي المقابل، تتقلّص قدرة شرائح واسعة على الوصول إلى أماكن العمل والتعليم والتدريب وحتى النشاطات الاجتماعية. وهذا التكيّف، وإن بدا في ظاهره قدرة على تجاوز الأزمة، يحمل كلفة اجتماعية واقتصادية. فارتفاع كلفة النقل قد يحبس أشخاصاً في منازلهم، ويحدّ من تفاعلهم الاجتماعي وعلاقاتهم اليومية. كما يدفع إلى العمل عن بُعد حين لا يكون خياراً مهنياً أو إنتاجياً مثالياً، بما يرافقه من أعباء نفسية وصحية، ومن تفاوت بين من يمتلكون بيئة منزلية مناسبة للعمل ومن لا تتوافر لهم أبسط شروطها.

«مناعة» أم استسلام؟
يسمّي مهندس النقل رامي سمعان هذا التكيّف المتكرّر بـ«المناعة ضد الأزمات»، لكنه يعتبرها «أمراً كارثياً، لأنها تعكس تمسك الأفراد بالنقل الفردي واستمرار عجز النظام القائم عن مواجهة الأزمات». ويشير إلى أن انهيار سعر صرف الليرة فاقم كلفة النقل بشكل كبير، من دون أن يواكبه أي تطور في منظومة النقل المشترك أو سياسات تشجّع على الانتقال إلى وسائل نقل أكثر استدامة.

ويشكّك في قدرة السلطات المحلية على القيام بأي خطوة لتدارك انفجار الوضع. فهي «تكتفي بإعادة رصف الطرقات وتأهيلها بالشكل نفسه، من دون إدخال أي تحسينات على مستوى السلامة المرورية أو إعادة تصميم الحيّز العام بما يدعم التحوّل نحو أنماط نقل أكثر سلاسة واستدامة». وهنا تكمن إحدى مفارقات السياسة العامة في لبنان: تُنفق الموارد على الطريق باعتبارها بنية تحتية للسيارات، بينما يبقى السؤال عن كيفية انتقال الناس في مرتبة ثانوية.

دعم السائقين أم إعادة إنتاج الأزمة؟
في مواجهة ارتفاع كلفة التشغيل، يعود إلى الواجهة اقتراح دعم السائقين العموميين بمساعدة شهرية تبلغ 12 مليون ليرة، مقابل الإبقاء على التعرفة المُعتمدة قبل أزمة المحروقات العالمية. وهو اقتراح مؤجّل منذ شباط الماضي، ويُعاد طرحه من بعض النقابات.

لكنّ الباحث في مجال النقل علي الزين يرى أن هذا الطرح «يعبّر عن جهل في جوهر المشكلة نتيجة غياب التشخيص الدقيق لها». فالدعم قد يخفّف كلفة الأزمة الآنية، لكنه لا يعالج نظام النقل الذي أنتجها. ويحذّر الزين من استمرار تأجيل الحلول المُستدامة بذريعة الأزمات المحلية والعالمية. ويستعيد تجربة عام 2019، حين «طُرحت المبرّرات ذاتها حول عدم مُلاءمة الظرف لإطلاق إصلاح جذري»، مضيفاً: «لو تمّ اعتماد خطة للنقل المشترك آنذاك لكان القطاع اليوم في موقع أفضل بكثير».

لكن هل يسمح الوضع الحالي بمزيد من الانتظار؟
يقترح الزين مسارين متوازيين: إجراءات عاجلة لتخفيف كلفة الأزمة، وخطة طويلة الأمد لإعادة هيكلة القطاع.
على المدى القصير، يطرح إصدار المراسيم التطبيقية للعمل «أون لاين»، والتوعية بأهمية النقل السلس، أي المشي والدراجات الهوائية، وتقنين استهلاك البنزين عبر بطاقات تعبئة، ودعم السائقين العموميين من خلال برامج اجتماعية بديلة من الدعم النقدي أو دعم المحروقات الذي يقول إنه غالباً ما يتسرّب إلى السوق السوداء، إضافة إلى إجراءات موازية لتحسين البيئة الحضرية، مثل تنظيف الأرصفة وتعزيز الإنارة العامة، بما يشجع على المشي كخيار تنقّل جزئي داخل المدن. وكل ذلك بالتوازي مع إطلاق خطة طويلة الأمد لإعادة هيكلة قطاع النقل».

ويعيد الزين تعثّر أداء الحكومات ووزراء النقل المتعاقبين إلى منطق العمل السياسي القصير الأمد، حيث «يُنظر إلى الولاية الوزارية باعتبارها فترة محدودة لا تتجاوز عادةً عامين ضمن عمر الحكومة، تُستغلّ لتنفيذ مشاريع سريعة المردود مثل رصف الطرقات أو استقدام بعض الحافلات، مع التركيز على الصورة الإعلامية المرافقة لها. ويسعى كل فريق إلى تسجيل إنجازات آنية تُنسب إليه سياسياً وحزبياً، بدل بناء خطة تراكمية قابلة للاستكمال. ونتيجة لذلك، يتم إهمال جوهر المشكلة المتمثّل في قطاع نقل عام مترهّل يحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة، وهي عملية تتطلّب سنوات من التخطيط والتحضير، وسنوات إضافية من التنفيذ قبل أن تبدأ بإعطاء نتائج ملموسة».

ماذا تفعل وزارة الأشغال بالمال؟
تتعامل الدولة، عملياً، مع أزمة النقل البري بوصفها أمراً واقعاً تفرضه الظروف الداخلية والخارجية، وكأنّ الأزمات المتلاحقة تجعل وضع استراتيجية وطنية للنقل ترفاً مؤجّلاً.

لكنّ هذا المنطق يطرح سؤالاً آخر حول طريقة إنفاق الموارد المُتاحة أصلاً. فالتدقيق في موازنة وزارة الأشغال العامة والنقل يفتح نقاشاً حول الأولويات: هل ينبغي أن يستمر القسم الأكبر من الإنفاق في رصف الطرقات وتأهيلها، أم أن جزءاً منه يجب أن يذهب إلى بناء منظومة نقل مشترك، بما فيها تأمين أسطول من الحافلات والبنية التحتية اللازمة لتشغيله؟

فالأزمة، بحسب الزين، لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها سبباً إضافياً للتأجيل. فعند العودة إلى «أكبر التحوّلات العالمية في قطاع النقل البري، نلحظ أنها حصلت في عز الأزمات، من أزمات السير والاكتظاظ السكاني والتلوّث، إلى الأزمات الاقتصادية والأمنية. وهي لم تقتصر على الدول الغنية، بل شملت دولاً نامية مثل كولومبيا والبرازيل والمكسيك والأردن».

هذا السياق يفتح أمام لبنان نافذة إعادة هيكلة قطاع النقل البري من داخل الأزمة نفسها، عبر إطلاق استراتيجية وطنية طويلة الأمد للنقل المشترك، تنطلق بحسب الزين، من «إعادة النظر في سياسات تشجيع استخدام السيارة الخاصة، بدل تكريسها عبر إجراءات مثل تشريع عمل «الفالي باركينغ»، بما يرفع من جاذبية القيادة الفردية بدل الحدّ منها. كما تقوم هذه المقاربة على ضرورة إجراء دراسات دقيقة لسلوكيات التنقّل لدى المواطنين، وأنماط استخدام وسائل النقل المختلفة، إضافة إلى تحليل واقع العاملين في قطاع النقل نفسه، بمن في ذلك عدد السائقين الفعليين، وحجم العمل غير النظامي، وتعدّد مصادر دخل العاملين في هذا المجال، بما يتيح بناء سياسات أكثر واقعية وفعّالية».

في السياق نفسه، يدعو الزين إلى تعزيز مفهوم «النقل السلس»، خصوصاً أن «الظروف المناخية في لبنان تشكّل عاملاً مساعداً لهذا التحوّل». ورغم وجود عوائق هندسية وثقافية واجتماعية، يرى أن هذا التحوّل يمكن أن يتحقّق تدريجياً مع الوقت. ويستشهد بتجارب دول مثل الصين، حيث «مرّت مرحلة تطوير استخدام الدراجات الهوائية بإخفاقات وتجارب غير مُكتملة في بداياتها، نتج منها ما يُعرف بـ«مقابر الدراجات» قبل أن تُعاد صياغة السياسات بشكل أكثر نضجاً».

مصدرجريدة الأخبار - زينب بزي
المادة السابقةالأسعار تحفر عميقاً في جروحنا… والســلطة تتفرّج
المقالة القادمةفي يد السلطة حيلة الاتحاد العمّالي لتنفيس الاحتقان