الرئيسية اقتصاد لبنان الهيئة الناظمة تكسر الاحتكار وتفتح الباب أمام القطاع الخاص

الهيئة الناظمة تكسر الاحتكار وتفتح الباب أمام القطاع الخاص

بعد 23 عاماً من الانتظار، وفي ظلّ الحكومة الجديدة والعزم على إيجاد مخرج لمشكلة الكهرباء التي كبّدت الدولة خسائر بقيمة 40 مليار دولار، وتنظيم عمليات الإنتاج والتوزيع والنقل بالشراكة مع القطاع الخاص، وإصدار التراخيص وفق معايير فنية وتقنية بعيداً عن القرارات السياسية، عيّن مجلس الوزراء في أيلول الماضي الهيئة الوطنية لتنظيم قطاع الكهرباء، بناءً على القانون الأساسي لإنشائها رقم 462/2002.

ومنذ ذلك الحين، بدأت الهيئة عملها بـ”اللّحم الحيّ”، بأعضاء أكفّاء في مجال الطاقة بكل جوانبها، تقنياً وقانونياً ومالياً، وهم: دانيال جحى، سورينا مرتضى، زياد رحمة، وكريستينا أبي حيدر.

في جلسةٍ مطوّلة مع مجموعة من الإعلاميين، أجاب أعضاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء في لبنان عن كل الأسئلة التي طُرحت عليهم حول العمل الذي أنجزوه والدراسات التي هي قيد الإعداد. وبدا واضحاً أن ما يُعدّ لهذا القطاع يتجاوز الرقابة التقنية ومنح التراخيص، ليصل إلى إعادة بناء كاملة لقطاع الكهرباء، من النفط إلى الطاقة المتجددة: الشمسية، فالهوائية، والمائية… الحديث لم يكن نظرياً، بل مباشراً وصريحاً، واضعين خريطة طريق أمام تحدٍّ مزمن.

يشرح الأعضاء أن الهيئة ليست جهة تشغيل أو إنتاج للكهرباء، بل جهة تنظيم ومراقبة حسن التطبيق والإشراف، بعيداً عن أي تأثيرات سياسية. فحلّ معضلة احتكار مؤسسة كهرباء لبنان لقطاع الكهرباء، الوارد في المرسوم الصادر عام 1964 حول إنشائها، يقوم وفقاً للخطة التي تُعدّها الهيئة، والتي ستنجز قريباً، على “فكفكة” القطاع وتحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركة، ما يسمح بمشاركة القطاع الخاص إلى جانب القطاع العام. وسيتم إنشاء شركة للإنتاج، وأخرى للتوزيع، وثالثة للنقل، بعد حصولها طبعاً على رخص من الهيئة، بنسبة تصل إلى 40% للقطاع الخاص و60% تبقى للقطاع العام.

تشركة القطاع العام

منح الرخص سيفتح الباب أمام دخول شركات خاصة إلى السوق، لكن ضمن شروط دقيقة تضمن المنافسة ومنع الاحتكار. “لن يكون هناك استنسابية بعد اليوم”، في إشارة إلى آلية شفافة ستُعتمد في دراسة الطلبات.

أما التعرفة، فهي الملف الأكثر حساسية. يقرّ الأعضاء بأن أي تعديل فيها يلامس مباشرة حياة المواطنين، وستكون تنافسية، لذلك نعمل على إعدادها بالتعاون مع البنك الدولي.

عن الرقابة، يتحدث الأعضاء بثقة، إذ إن الشركات التي ستدخل القطاع ستكون تحت مراقبة صارمة، سواء لجهة جودة التغذية أو الالتزام بالمعايير البيئية، بعيداً عن الفوضى والتبعية السياسية، مع استقلالية تامة تصل صلاحياتها إلى حد سحب التراخيص.

ولا يغيب عن النقاش دور الهيئة في رسم مستقبل القطاع. فإلى جانب التنظيم، تعمل على وضع رؤية طويلة الأمد تشمل تعزيز الطاقة المتجددة وتحديث الشبكات. “نحن لا نحلّ مشكلة اليوم فقط، بل نؤسس لقطاع مستدام”، يختصر أحد الأعضاء.

من يموّل الهيئة الناظمة

بالنسبة إلى الجهة التي تموّل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، المستقلة مادياً وإدارياً، فهي لا تقوم على تمويل تقليدي من خزينة الدولة، إذ منحها القانون رقم 462/2002 بنية مالية خاصة لتأمين استقلاليتها واستدامة عملها. وردّاً على سؤال “نداء الوطن” حول الجهة التي تموّلها، باعتبار أنها ستستقدم موظفين وسيكون لديها ضابطة عدلية للتحرك على الأرض، قال العضو رحمة إنه تمّ منحها حالياً مساهمة من الحكومة في الموازنة لفترة عامين بقيمة مليونين و300 ألف دولار، بنسبة 35% للتشغيل و65% للأجور والرواتب، على أن تنتقل بعدها إلى التمويل الذاتي الكامل.

بحسب المادة 15 من القانون، تتكوّن موارد الهيئة من مصادر رئيسية. أولها البدلات التي تستوفيها مقابل طلبات التراخيص والأذونات، إضافة إلى الرسوم السنوية التي يدفعها أصحاب هذه التراخيص لقاء خضوعهم لرقابة الهيئة وإشرافها، ما يعكس طبيعة الهيئة كجهة تنظيمية تموّل جزءاً من نشاطها من القطاع الذي تشرف عليه.

تستوفي نسبة مئوية تُفرض على فاتورة استهلاك الكهرباء، على ألا تتجاوز 1% من قيمتها، وتُحدّد هذه النسبة بمرسوم في مجلس الوزراء بناءً على حاجات الهيئة وموازنتها. ويُعدّ هذا المورد أساسياً لأنه يؤمّن تدفّقاً مالياً ثابتاً يرتبط مباشرة بحجم الاستهلاك في السوق.

كما وضع القانون ضوابط مالية دقيقة، إذ تُرحَّل الفوائض أو العجوزات إلى السنوات اللاحقة ضمن سقوف محددة، على أن يُحوَّل أي فائض يتجاوز الحدود إلى خزينة الدولة، ما يعكس توازناً بين استقلال الهيئة وارتباطها بالمالية العامة.

في المحصلة، صُمّم النظام المالي للهيئة ليجعلها مؤسسة قادرة على تمويل نفسها بنفسها، بما يعزّز دورها كجهة ناظمة مستقلة، لا كمجرد إدارة إضافية ضمن هيكل الدولة، علماً أنّ ورقة السياسة العامة للكهرباء تمّ تجهيزها وستعلن عنها وزارة الطاقة، فيما دراسات الجدوى التي تدرسها الهيئة مع مؤسسة الكهرباء الفرنسية باتت في مراحلها النهائية.

وبين التحديات السياسية والاقتصادية، يبقى الرهان على أن تتحوّل هذه الهيئة من نص قانوني إلى مؤسسة فاعلة تُعيد الثقة بقطاع أنهكه الانهيار.

مصدرنداء الوطن - باتريسيا جلاد
المادة السابقةأسعار النفط العالمية تقفز فور إعلان ترامب “انتهاء الهدنة”
المقالة القادمةفعلتها الحكومة… تعديل المادتين 3 و13 من قانون المصارف رغم رفض صندوق النقد