الرئيسية اقتصاد لبنان بالأرقام: تداعيات حرب 2026 الاقتصاديّة والاجتماعيّة

بالأرقام: تداعيات حرب 2026 الاقتصاديّة والاجتماعيّة

نشر “نادي القادة” تقريراً شاملاً بعنوان “حرب 2026: التداعيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة”، حيث وجد التقرير أنّ لبنان لم يعد يواجه مواجهة مدمّرة واحدة، بل مساراً مستمراً من الصدمات المتكررة وعمليات التعافي المتقطّعة، وهذا ما يشكّل نمطًا قد يؤثّر على المشهدين الاقتصادي والاجتماعي للبلاد لسنوات مقبلة.

ورأى التقرير أنّ التصعيد الراهن كان أكثر من مجرّد إعادة إشعال للصراع. بل كشف هشاشة مسار التعافي، وسلّط الضوء على الأثر التراكمي للصدمات المتعاقبة. فما بدأ في العام 2024 كحرب مدمّرة تطوّر إلى أزمة متعددة المراحل، حيث تكرّس كل مرحلة الأضرار التي خلّفتها المرحلة السابقة. أما الاستقرار النسبي الذي شهده العام 2025 فيبدو الآن كفترة مؤقتة لا كنقطة تحوّل.

مقارنة الحربين

تضمّن التقرير مقارنة بين حربيّ 2024 و2026. فخلال الحرب الراهنة، وفي غضون شهرٍ واحد، تم تهجير نحو مليون شخص؛ أي ما يقارب خُمس السكان. كما أدّت الحرب إلى قَتل أكثر من 1,250 شخصًا خلال فترة قصيرة، فيما أُصيب الآلاف بجروح. وإضافة إلى ذلك، تعرّضت البنى التحتية الحيوية، مثل الجسور وأنظمة المياه والمرافق الصحية، لضغوط كبيرة أو لأضرار مباشرة، في حين أُجبر أكثر من 150,000 طالب على الخروج من المدارس.

وعلى خلاف حرب العام 2024، فإن التصعيد الحالي أحدث تراكمًا من الأضرار التي تُضاف إلى الأضرار السابقة. إذ إنّ هناك مجتمعات بأكملها لم تكن قد تعافت من الحرب السابقة إلا جزئياً، ثم عادت لتُقتلع من جديد في الحرب الحاليّة. والأسر التي استنزفت مدخراتها خلال جولة التصعيد السابقة، باتت تملك تملك وسائل أقل للتكيّف. كما أن سرعة النزوح كانت لافتة، ما يعكس ارتفاع مستوى الهشاشة وتراجع القدرة على الصمود لدى السكان.

اقتصاديًا، كانت تداعيات الحرب الراهنة فورية وحادة. فاستنادًا إلى النموذج الذي ورد في التقرير، يُقدَّر أن لبنان بات يخسر نحو 60 إلى 80 مليون دولار يوميًا خلال فترة التصعيد. وقد أغلقت الشركات أبوابها على امتداد قطاعات متعددة، فيما انهار قطاع السياحة مرة أخرى، وتعطّلت حركة التجارة مجددًا. أما مسار التعافي المحدود الذي لوحظ في العام 2025 فقد توقّف فعليًا، مع عودة الاقتصاد إلى خطر الانكماش.

وجاء هذا التصعيد الجديد في وقت كان فيه لبنان يحاول تثبيت استقراره بعد دمار العام 2024. فخلال العام 2025، شهدت البلاد ما بدا كأنه انتعاش حذر، حيث سجّل النشاط الاقتصادي نموًا متواضعًا، مدفوعًا بشكل أساسي بتأثيرات التحسّن النسبي في أعقاب الأزمة الاقتصاديّة. كما عاد بعض النازحين، إثر انتهاء الحرب السابقة، وبدأت جهود إعادة إعمار محدودة بالتبلور. غير أن هذا التعافي كان هشًا منذ البداية. فقد ظلّت شرائح واسعة من السكان نازحة أو تعيش في مساكن متضررة، كما أن الخدمات العامة لم تُستعد إلا جزئيًا، وظلّت أعمال إصلاح البنية التحتية معلّقة. وهكذا، جاء التصعيد الراهن ليستنزف القدرة على الصمود أكثر، وهذا ما جعل التعافي أكثر صعوبة وكلفة.

التأثير على المؤشرات الاقتصاديّة

التقرير استند إلى تقديرات معهد التمويل الدولي (IIF)، الذي توقّع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 بالمئة و16 بالمئة، ذلكَ تبعًا لمدة استمرار النزاع. وكان المعهد قد رأى في تقرير له إلى أن الحرب الجارية تمثّل صدمة سلبية حادة لاقتصاد هش أصلًا، كان يمر بأزمة عميقة منذ العام 2019. ووفقًا للمعهد، فإن صدمة هذه الحرب تفاقم نقاط الضعف الهيكلية، في نظام مقيّد بقدرة محدودة على صنع السياسات، نتيجة عوامل سياسية ومؤسسية.

بالرغم من هذه التحديات الكبيرة، حدّد المعهد بعض مقوّمات الصمود المحدودة. إذ تستمر تحويلات المغتربين في توفير دعامة خارجية مهمّة، كما أظهرت بعض القطاعات القدرة على التكيّف مع الصدمات المتكررة. وبناءً على ذلك، يتوقّع المعهد أن تساهم جهود إعادة الإعمار وعودة النشاط تدريجيًا في دعم تعافٍ جزئي خلال عامي 2027 و2028. غير أن قوة وسرعة هذا التعافي ستعتمدان بشكل كبير على مدة النزاع وتوفر الدعم المالي الدولي.

واستند التقرير إلى توقّعات المعهد مجددًا، الذي ارتقب أن تعتمد الحكومة على مزيج من السحب من احتياطيات العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان، التي تُقدَّر بنحو 11.7 مليار دولار، إلى جانب المنح والتمويل الخارجي الميسر. كما توقّع المعهد أن يبقى الحفاظ على استقرار سعر الصرف أولويّة أساسية للدولة، إذ إن أي تراجع جديد في قيمة الليرة سيؤدي إلى تفاقم التضخم وتآكل الدخل الحقيقي.

ووفق التقرير، من المتوقع أن يتسع عجز الحساب الجاري من 14 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2025 إلى نحو 17 بالمئة في العام 2026. ويعود هذا التدهور جزئيًا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، وهذا ما يزيد من فاتورة الاستيراد في بلد تمثّل فيه المنتجات النفطية نحو ربع إجمالي الواردات. كما توقّع التقرير أن يؤدّي النزاع إلى تقليص صادرات السلع والخدمات بشكلٍ كبير، وهو ما سيزيد من عجز الميزان التجاري. ومن غير المرجّح أن تكون تدفقات رؤوس الأموال من الخارج كافية لتمويل هذا العجز، وهذا ما سيؤدّي إلى استمرار استنزاف الاحتياطات.

التداعيات على القطاع الخاص

أفرد التقرير قسمًا تناول تأثير الحرب الراهنة على كلّ قطاع اقتصادي على حدة. فالقطاع السياحي على سبيل المثال، شهد انهياراً شبه كامل، مع تراجع حاد في نسب الإشغال، بسبب مغادرة السيّاح وتوقّف الحركة الداخليّة. وكشف التقرير أنّ العديد من الفنادق أقفلت أو علّقت عمليّاتها، خصوصًا في الجنوب وجبل لبنان. كما لجأت المؤسسات إلى خفض التكاليف، كالكهرباء والخدمات، مع توقّف العمالة اليوميّة وخفض الرواتب، وهذا ما عكس هشاشة ماليّة شديدة في هذا القطاع بالتحديد.

وفي قطاع التجزئة، تراجع الطلب بشكل كبير، خصوصًا في بيروت حيث بلغت نسبة التراجع حدود الـ 60 إلى 80 بالمئة. وطال الانخفاض بالتحديد السلع غير الأساسيّة، بفعل تراجع القدرة الشرائيّة، والخوف وعدم اليقين. وفي المقابل، ارتفعت التكاليف التشغيليّة، وهذا ما دفع بعض المؤسّسات إلى تسريح الموظفين أو خفض الرواتب بنسب تتراوح بين 30 و50 بالمئة.

كما تعرّض القطاع الزراعي لضربة قوية، مع تضرر نحو 22% من الأراضي الزراعية ونزوح غالبية المزارعين في الجنوب. وتعطل الإنتاج، بسبب صعوبة الوصول إلى الأراضي في مناطق النزاع، وارتفاع كلفة الوقود. وبالرغم من ذلك، استمرّت بعض المناطق (مثل البقاع والشمال) في الإنتاج، وهذا ما ساعد على تأمين حد أدنى من الأمن الغذائي.

في الخلاصة، رأى التقرير أنّ جميع القطاعات الاقتصاديّة اللبنانيّة واجهت صدمة مزدوجة، لجهة تراجع الطلب وارتفاع التكاليف. ومع ذلك، ظهر تفاوت واضح في القدرة على الصمود، حيث تتجه القطاعات الإنتاجية (مثل الزراعة والصناعة) نحو الاستمرارية، في حين عانت القطاعات المرتبطة بالاستهلاك (السياحة والتجزئة) من انهيار أسرع. كما لفت التقرير إلى تمتّع قطاعات معيّنة، مثل الدواجن، بقدرة خاصّة على الصمود. إذ لا يزال إنتاج الدواجن، حتّى اللحظة، يفوق الطلب المحلّي، وهذا ما يضمن فائضًا في السوق.

مصدرالمدن
المادة السابقةبين الخليج والمشرق العربي: إعادة رسم خطوط إمداد الطاقة
المقالة القادمةحرب الغاز في شرق المتوسط: لماذا أصبحت سوريا ولبنان في قلب المعادلة؟