أظهرت الحرب في إيران هشاشة الممرات التقليدية للبُنية التحتية التجارية في الشرق الأوسط، مسلّطة الضوء على تأثير الصراعات على الاقتصاد العالمي. فإغلاق المطارات وتعطّل مسارات الطيران، إلى جانب توقف الملاحة عبر مضيق هرمز على رغم من وقف إطلاق النار الهش، أبرزَت الحاجة إلى تنويع طرق التجارة لتجنّب الاعتماد على الممرات التقليدية.
في هذا السياق، يكتسب الممر الأوسط عبر بحر قزوين أهمّية متزايدة. يمتد من تركيا مروراً بجنوب القوقاز وبحر قزوين وصولاً إلى قلب آسيا الوسطى، ويقع جغرافياً بين روسيا شمالاً وإيران جنوباً. يوفّر الممر بديلاً عملياً لمسارات التجارة التاريخية بين الشرق والغرب، ما يجعله شرياناً حيوياً للطاقة والسلع والخدمات، وأي اضطراب فيه يهدّد الاقتصاد العالمي ويُبرز أهمّية الاستقرار الجيوسياسي والتجاري في المنطقة.
بحر قزوين: طريق إيران لتجاوز العقوبات
أصبح بحر قزوين بالنسبة إلى إيران شرياناً حيوياً لنقل الطاقة والسلع إلى روسيا والعكس، خصوصاً في ظلّ العقوبات الأميركية على صادراتها النفطية والغازية. فقد صعّب الحصار الاعتماد على الممرات التقليدية مثل مضيق هرمز، ممّا دفع إيران إلى البحث عن بدائل عبر مسارات برّية وبحرية تمرّ داخل دول القوقاز وآسيا الوسطى، مثل تركمانستان وكازاخستان.
تتيح هذه الممرات لإيران تصدير جزء من منتجاتها النفطية والسلعية واستيراد المواد الأساسية، بما يمثل التفافاً جزئياً على العقوبات. كما يمكن استخدام خطوط أنابيب ونقل بري وبحري للتواصل مع الأسواق في آسيا الوسطى وأوروبا عبر شركاء إقليميّين، ما يمنح إيران مرونة أكبر ويخفّف من الضغط الاقتصادي.
مع ذلك، تظلّ هذه المسارات غير كافية كبديل كامل عن الممرات البحرية التقليدية، إذ تعتمد فعاليتها على استقرار الدول المجاورة ومستوى التعاون الإقليمي. وأي توتر سياسي أو عسكري في المنطقة قد يعرقل هذا الشريان الحيوي ويحدّ من دوره الاستراتيجي. لذلك، يشكّل بحر قزوين حلاً جزئياً ومرحلياً لإيران، يسمح لها بمواصلة نشاطها الاقتصادي وتخفيف آثار العقوبات، لكنّه لا يغني عن الطرق التقليدية بشكل كامل.
إذاً، تشكّل حماية الممرات الدولية أولوية استراتيجية لضمان استقرار التجارة العالمية، بعد محاولة إيران تعطيل الملاحة في خليج هرمز، وفي هذا الإطار، تبرز ثلاثة مجالات أساسية لتعزيز أمن وضمان استمرارية حركة البضائع والخدمات بين الشرق والغرب في كافة الممرات البحرية، وهي كما يلي:
-1 الدفاع الجوي: يمثل المجال الجوي للممرات شرياناً حيوياً للطيران بين الشرق والغرب، خصوصاً بعد تعطيل المسارات التقليدية. وقد أظهرت الغارات الإيرانية على مطار نخجوان هشاشة هذا المجال، ما يستدعي تنسيقاً محلياً فعّالاً ونشر أنظمة دفاع جوي متقدّمة من قِبل تركيا وأذربيجان. كما يمكن الاستفادة من خبرة أوكرانيا في مواجهة الطائرات المسيّرة لتعزيز القدرات الدفاعية. من المقترحات أيضاً إنشاء مبادرة دفاع جوي مشتركة بين الدول المعنية، سواء ثنائياً أو عبر منظمة الدول التركية، مع تنظيم مناورات عسكرية مشتركة لتعزيز التعاون والتأهب.
-2 الأمن البحري: يشكّل بحر قزوين جزءاً أساسياً من الممرات، وأي اضطراب فيه بسبب استغلال إيران، يقطع روابط التجارة الحيوية بين الشرق والغرب. ولتعزيز الأمن البحري، يجب توسيع التعاون بين الدول المطلة على البحر، مثل أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، من خلال برامج الدوريات والمراقبة الرادارية، وربما إعادة تفعيل مبادرات مثل «حرس قزوين». الدعم الأميركي لهذه القدرات البحرية يعزّز حماية الممر ويزيد من استقراره بشكل كبير.
-3 مرونة البنية التحتية وتعدُّد المسارات: تعتمد ممرات الشرق الاوسط على خطوط أنابيب، سكك حديد، طرق، وشبكات ألياف ضوئية، ما يجعل وجود مسارات بديلة ضرورياً لتجنّب الاعتماد على مسار واحد. المبادرات مثل «طريق ترامب للسلام والازدهار» توفّر مسارات بديلة تربط أذربيجان بجيب ناخيتشيفان عبر أرمينيا. كما يجب تحصين وتحديث البُنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الجسور، الأنفاق، الموانئ، والمطارات، لضمان استمرار التجارة بشكل آمن ومستقر.
تؤكّد الحرب الروسية في أوكرانيا والصراعات الإقليمية المستمرة، على أهمية تعزيز أمن واستدامة الممر الأوسط. ويُعدّ التعاون الإقليمي والدولي، بما يشمل الولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة، عاملاً حاسماً لضمان استقرار هذا الممر الحيوي ودوره الاستراتيجي في التجارة العالمية.
في نهاية المطاف، لا يقتصر ممر بحر قزوين على كونه طريقاً تجارياً عابراً، بل يمثل شرياناً استراتيجياً عالمياً يربط بين الشرق والغرب، التلاعب به ممنوع. ويُعدّ تعزيز الأمن الجوي والبحري، وتنويع البنية التحتية، وتعميق التعاون الإقليمي والدولي، خطوات أساسية لضمان استقراره في ظل الصراعات الإقليمية المستمرة وحماية الاقتصاد العالمي من أي اضطرابات محتملة.



