في اللحظات التي تختبر فيها الأزمات الكبرى تماسك النظام الدولي، تنكشف الفجوة بين الطموح والواقع. فالحرب الدائرة في الخليج لم تضع فقط ميزان القوى الإقليمي تحت الضغط، بل وجّهت اختباراً مباشراً لواحدة من أبرز التكتلات الصاعدة في العالم: مجموعة البريكس.
بينما كان يُفترض أن تمثل مجموعة بريكس نواة لنظام متعدد الأقطاب قادر على موازنة النفوذ الغربي، جاء عجزها عن تبنّي موقف موحد ليطرح سؤالاً أعمق من مجرد خلاف عابر: هل يمكن لتحالفات قائمة على المصلحة المتباينة أن تتحول فعلاً إلى قوة سياسية منسجمة عند أول اختبار جدي؟
لم تتمكن المجموعة، حتى بعد مرور أسبوعين على اندلاع الأعمال العدائية في الخليج، من إصدار بيان موحد يعكس موقفاً جماعياً من النزاع. وقد شكّل هذا الغياب خيبة أمل لقطاع واسع من المراقبين في الشرق والغرب، الذين نظروا إلى المجموعة بوصفها نواة محتملة لنظام دولي متعدد الأقطاب، وقوة موازنة للنفوذ الأميركي. ومع ذلك، فإن هذا التعثر لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان انعكاساً مباشراً لطبيعة التكوين البنيوي للمجموعة نفسها.
على امتداد السنوات الماضية، لم تُظهر البريكس، حتى في أكثر اللحظات حساسية، قدرة تُذكر على تقديم دعم منسق لأعضائها في أوقات الأزمات. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال المواجهة المطولة بين روسيا وما تصفه بـ”الغرب الجماعي”، حيث اقتصر دور المجموعة على الحد الأدنى من المساندة السياسية. واليوم، ومع اتساع رقعة الصراع ليشمل إيران – وهي أيضاً عضو في البريكس – تتكرر المعضلة ذاتها في سياق أكثر تعقيداً.
عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية واسعة على إيران، وجدت المجموعة نفسها أمام اختبار حقيقي لتماسكها. غير أن التباينات بين أعضائها سرعان ما طفت على السطح. فبعض الدول تحتفظ بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، بل وتنسق معها في ملفات عسكرية، بينما تربط دول أخرى علاقات استراتيجية متنامية مع إسرائيل، كما هو الحال بالنسبة للهند. هذه التشابكات الثنائية تجعل من صياغة موقف جماعي مهمة شديدة التعقيد.
لكن جوهر المشكلة يتجاوز شبكة العلاقات الخارجية للأعضاء، ليكمن في داخل المجموعة نفسها. فالتوتر البنيوي بين إيران من جهة، ودول الخليج من جهة أخرى – مثل الإمارات العربية المتحدة، العضو في البريكس – يعكس انقساماً استراتيجياً عميقاً. فمنذ ثورة عام 1979، بنت إيران هويتها السياسية على معارضة الولايات المتحدة، في حين حافظت دول الخليج على شراكات طويلة الأمد مع واشنطن، ما يجعل تقاطع الرؤى داخل المجموعة محدوداً بطبيعته.
في هذا السياق، يبدو الحديث عن موقف موحد للبريكس أقرب إلى التمني منه إلى التوقع الواقعي. وحتى في حال نجحت الهند، التي تتولى الرئاسة الحالية، في بلورة بيان توافقي يراعي حساسيات طهران وأبوظبي، فمن المرجح أن يظل هذا البيان رمزياً أكثر منه عملياً.
ويشير الكاتب تشيلامكوري راجا موهان إلى أن ثمة فجوة واضحة بين الاتفاق على خطاب عام حول مظالم مشتركة تجاه الغرب، وبين القدرة على إدارة نزاعات ملموسة بين الدول الأعضاء. فالمجموعة التي تأسست في الأصل لتحدي الهيمنة الغربية تجد نفسها اليوم في موقع المتفرج، في وقت تتبادل فيه الولايات المتحدة وإيران الضربات، وتمتد تداعيات الصراع إلى دول الخليج.
بينما قد يوفر التضامن العابر للحدود إطارا خطابيا جذابا، فإنه نادرا ما يتحول إلى التزام فعلي عندما تتعرض المصالح الوطنية للاختبار أو التعارض
ويضيف موهان في تقرير لمجلة فورين بوليسي أن هذا النمط ليس جديداً في السياسة الدولية. فعلى مدار القرن الماضي، واجهت المشاريع العابرة للحدود – سواء كانت قومية أو أيديولوجية – المعضلة نفسها: حين تتصادم فكرة التضامن مع حسابات المصلحة الوطنية، تميل الكفة دائماً لصالح الأخيرة.
تاريخياً، تبدأ هذه المشاريع بطموحات واسعة لتجاوز الدولة القومية، مستندة إلى هوية مشتركة – إقليمية أو دينية أو أيديولوجية. وتزدهر في لحظات الشعور بالمظلومية المشتركة، حين تبدو كلفة التعاون محدودة. لكنها سرعان ما تتصدع عندما تفرض الأزمات الحقيقية على الحكومات اتخاذ قرارات صعبة بين التزاماتها الجماعية ومصالحها الوطنية.
تجربة الكومنترن تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد تأسست المنظمة عام 1919 بهدف تنسيق ثورة عالمية ضد الرأسمالية، لكنها واجهت اختباراً حاسماً في عام 1939 عندما أبرم جوزيف ستالين اتفاقية مولوتوف – ريبنتروب مع ألمانيا النازية. عندها، طُلب من الأحزاب الشيوعية حول العالم إعادة تعريف موقفها من الفاشية. وبعد عامين فقط، انقلب الموقف مجدداً مع انضمام الاتحاد السوفيتي إلى الحلفاء. هذا التحول عكس حقيقة جوهرية: أن المصالح القومية، حتى في الأنظمة الأيديولوجية، تتقدم في النهاية على الالتزامات العابرة للحدود. ولم يكن حل الكومنترن عام 1943 سوى تتويج لهذه التناقضات.
القومية الآسيوية بدورها لم تنجح في إنتاج جبهة موحدة ضد الإمبريالية. فقد تباينت مواقف الحركات الوطنية خلال الحرب العالمية الثانية، بين من سعى للتحالف مع قوى المحور لمواجهة الاستعمار الأوروبي، ومن اختار التعاون مع القوى الغربية لاحتواء اليابان.
أما القومية العربية، فقد بلغت ذروتها مع مشروع الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، لكنها سرعان ما انهارت تحت وطأة التباينات الداخلية. وحتى في القضايا المركزية، مثل فلسطين، ظل التنسيق العربي محدوداً. صحيح أن حظر النفط عام 1973 شكّل لحظة نادرة من العمل الجماعي، لكنه لم يصمد طويلاً أمام تضارب المصالح. وتكررت الانقسامات بشكل أكثر حدة مع غزو العراق للكويت عام 1990، وهو ما أضعف دور جامعة الدول العربية منذ ذلك الحين.
وفي السياق المعاصر، لم تختلف الصورة كثيراً. فقد عجزت الدول العربية عن بلورة رد موحد على الحرب في غزة بعد أحداث أكتوبر 2023، رغم اتساع الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية. وتكررت الظاهرة نفسها داخل العالم الإسلامي، حيث ظلت منظمة التعاون الإسلامي إطارا خطابيا أكثر منها آلية فعلية للتنسيق السياسي.
حتى التكتلات الإقليمية التي تقوم على أسس عملية، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، تواجه قيوداً مشابهة. فمبدأ الإجماع الذي يحكم عملها يحد من قدرتها على اتخاذ مواقف حاسمة، كما يظهر في تعاملها مع النزاعات في بحر الصين الجنوبي.
وفي أميركا اللاتينية، تعكس الانقسامات حول الأزمة في فنزويلا النمط ذاته. إذ فشلت المنظمات الإقليمية في التوصل إلى موقف موحد، في ظل تباين التوجهات السياسية بين حكومات المنطقة.
في ضوء هذا السياق التاريخي، تبدو حالة البريكس امتداداً لنمط راسخ، لا استثناءً عنه. فالهند، التي تتولى رئاسة المجموعة، انخرطت في اتصالات دبلوماسية مع إيران خلال الأزمة، ليس بهدف صياغة موقف جماعي، بل لحماية مصالحها البحرية في مضيق هرمز.
في نهاية المطاف، يظل النظام الدولي محكوماً بديناميات الدولة القومية. فالحكومات، مهما تعددت تحالفاتها، تبقى مسؤولة أمام شعوبها، التي تضع الأولوية للأمن والاستقرار الاقتصادي. وبينما قد يوفر التضامن العابر للحدود إطاراً خطابياً جذاباً، فإنه نادراً ما يتحول إلى التزام فعلي عندما تتعرض المصالح الوطنية للاختبار.
وفي النهاية، فإن ما تكشفه تجربة البريكس في هذه الأزمة لا يقتصر على حدود مجموعة بعينها، بل يعكس حقيقة أوسع في بنية النظام الدولي. فمهما بدت مشاريع التضامن العابر للحدود واعدة في لحظات الاستقرار، فإنها تصطدم، عند أول أزمة كبرى، بصلابة الدولة القومية وأولوياتها غير القابلة للمساومة. وفي عالم لا تزال فيه حسابات الأمن والاقتصاد الوطني هي الحاكمة، تبدو التكتلات الدولية – مهما اتسعت – أقرب إلى منصات تنسيق مرنة منها إلى تحالفات قادرة على فرض إرادة جماعية. ومن ثم، فإن مستقبل التعددية القطبية لن يُحسم بوجود هذه التكتلات بحد ذاته، بل بقدرتها – حتى الآن المحدودة – على تجاوز هذا التناقض البنيوي.


