الرئيسية اقتصاد لبنان بعد انسحاب شركة الوزير… مرفأ بيروت أمام الاختبار الأصعب

بعد انسحاب شركة الوزير… مرفأ بيروت أمام الاختبار الأصعب

بعد الضجّة التي أثارها فوز شركة ترتبط ملكيتها بوزير الأشغال بمناقصة سيارات مرفأ بيروت، بدا المشهد كأنّه انتهى مع إعلان انسحاب الشركة تحت ضغط الانتقادات، وتبرير إدارة المرفأ قانونية الإجراءات. لكن عملياً، لم تُقفل القضيّة بعد، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية: ما الذي سيحدث في المناقصة الجديدة؟ وهل سيبقى دفتر الشروط على حاله أم يُعاد النظر فيه؟

فالسؤال لم يعد مرتبطاً فقط بسقوط المناقصة الأولى، بل بما إذا كانت إعادة إطلاقها ستعيد إنتاج النتيجة نفسها، أو ستكشف تعديلات تعكس اعترافاً غير مباشر بوجود خلل في التصميم السابق. وهنا تحديداً تبدأ العقدة الحقيقية للملف بين الانسحاب الشكلي واختبار الشفافية الفعلي.

عودة إلى قضية المناقصة

بين نصّ القانون وروحه، انفجرت في الأيام الماضية واحدة من أكثر القضايا إحراجاً للحكومة، مناقصة شراء وتوريد سيارات لصالح مرفأ بيروت، رست على شركة “رسامني يونس للسيارات”(RYMCO)، المملوكة لوزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، قبل أن تعلن الشركة انسحابها، تحت ضغط الانتقادات والاتهامات بتضارب المصالح.

القضية لم تبدأ مع الانسحاب، بل مع السؤال البديهي الذي طرحه كثيرون داخل الإدارة وخارجها: كيف يمكن لشركة يملكها الوزير أن تتقدّم إلى مناقصة تتبع لمرفق عام خاضع مباشرةً لوصاية الوزارة التي يديرها؟ وكيف أمكن اعتبار ذلك “قانونياً” بالرغم من وجود نصوص واضحة في قانون الشراء العام ودفتر الشروط نفسه تتحدث عن تضارب المصالح.

إدارة واستثمار مرفأ بيروت دافعت عن الإجراءات بوصفها “مطابقة للقانون”، فيما رأى خبراء في قانون الشراء العام وهيئات رقابية أن مجرد مشاركة الشركة في المناقصة يشكّل إشكالية قانونية وأخلاقية، حتى لو انسحبت لاحقاً.

مناقصة تحت عنوان “الحاجة الملحّة”

وفق البيان الرسمي الصادر عن إدارة واستثمار مرفأ بيروت، فإن الإدارة برّرت إطلاق المناقصة بالحاجة إلى إعادة تكوين أسطول السيارات الذي دُمّر بالكامل تقريباً بعد انفجار 4 آب 2020، مشيرةً إلى أن أكثر من 75 سيارة خرجت من الخدمة منذ الانفجار، وأن المرفأ لم يشترِ أي سيارات جديدة منذ ذلك الحين بالرغم من “تزايد الحاجات التشغيلية المرتبطة بالأمن والسلامة والصيانة والخدمات”.

وفي 10 آذار 2026 وافق مجلس إدارة المرفأ على دفتر الشروط، قبل نشر المناقصة على منصة هيئة الشراء العام بتاريخ 12 آذار، على أن تُفضّ العروض في 22 نيسان. لكن المناقصة ألغيت بعد أن تبيّن وجود عارض وحيد فقط. ثم أعيد إطلاقها في 22 نيسان، لتنتهي مجدداً في 8 أيار إلى النتيجة نفسها: عارض وحيد هو شركة “رسامني يونس للسيارات”.

ووفق الإدارة، فإن قانون الشراء العام يجيز، بعد إعادة المناقصة للمرة الثانية، إرساء الصفقة على عارض وحيد إذا استوفت فيه الشروط القانونية.

النص الذي فجّر القضية

تكمن العقدة الأساسية في دفتر الشروط نفسه، وتحديداً في الفقرة “ز” من المادة الرابعة، التي تنصّ بوضوح على ألا يكون العارض “مشاركاً في السلطة التقريرية لسلطة التعاقد وألا يكون لديه مع أي من أعضاء السلطة التقريرية مصالح مالية أو تضارب مصالح”.

هذا النص تحديداً استندت إليه “مؤسسة غربال”، التي اعتبرت في حديثها لـِ “المدن” أن شركة “ريمكو” “ما كان يجب أن تتقدّم أصلاً”، لأن الوزير، بصفته السياسية والإدارية، يشكّل المرجعية الوصية على المرفأ، حتى لو لم يكن عضواً مباشراً في لجنة التلزيم.

هذا ما يعني أن المشكلة لا تتعلق فقط بإرساء الصفقة، بل بقبول العرض أساساً، لأن تضارب المصالح قائم بمجرد المشاركة. وتضيف غربال أن الإدارة “كان يفترض أن ترفض العرض وتلغي المناقصة وتتجه لاحقاً إلى صيغة أخرى، سواء عبر مناقصة جديدة أو اتفاق بالتراضي وفق الشروط القانونية”.

وتتقاطع هذه المقاربة مع المادتين 2 و8 من قانون الشراء العام، اللتين تشددان على مبادئ الشفافية والمساواة وتفادي تضارب المصالح في العقود العامة.

وفي السياق نفسه، يرى القانوني والوزير السابق زياد بارود أن تولّي الوزير موقعاً إدارياً أو رئاسياً في شركة مشاركة في التلزيم، أو ارتباطه المباشر بها، يُشكّل بدوره مخالفة لمبدأ تضارب المصالح، بالنظر إلى أن وزارة الأشغال هي الجهة الوصية على مرفأ بيروت، وهذا ما يطرح إشكالية مباشرة على مستوى الحياد والشفافية في العقود العامة.

“قانونية” ليست بالضرورة “مشروعة”

داخل إدارة المرفأ، ثمة من يتمسك بحرفية القانون. مصادر في الإدارة تقول في حديث لـِ “المدن” إن المرفأ “خضع بالكامل لقانون الشراء العام”، وإن هيئة الشراء العام لم تعتبر مشاركة الشركة مخالفة، وبالتالي “سارت الإدارة وفق الرأي القانوني المتاح”.

وتشير معلومات متقاطعة إلى أن قرار الانسحاب جاء بعد مشاورات مباشرة أجراها الوزير الذي فضّل سحب الشركة تفادياً لتفاقم الجدل.

ويقول رئيس هيئة الشراء العام جان علية في حديث لـ”المدن” إن الوزير “اتخذ موقفاً جريئاً” عندما قرر الانسحاب، مضيفاً أن رسامني أبلغه بأنه لا يريد أن تشارك شركته “في أي شيء ما دام هو في الوزارة”.

لكن الانسحاب، بالنسبة إلى منتقدي الصفقة، لا يلغي أصل المشكلة: كيف وصلت المناقصة أساساً إلى مرحلة التلزيم؟

دفتر شروط “مفصّل”؟

الجدل لم يتوقف عند تضارب المصالح، فمصادر مطلعة على دفتر الشروط تقول إن المواصفات التقنية المطلوبة تكاد تنطبق حصراً على علامات تجارية محددة تمثلها “ريمكو”، وهذا ما يفسّر عملياً غياب المنافسة.

وتقول مصادر متابعة للملف إن “المواصفات الموضوعة لا تنطبق على غالبية شركات السيارات في لبنان، بل على وكلاء محددين”، معتبرةً أن ذلك يفسّر لماذا لم يتقدّم أي عارض آخر بالرغم من إعادة المناقصة مرتين.

هذا الاتهام، إذا ثبت، يفتح باباً إضافياً من الأسئلة حول كيفية إعداد دفتر الشروط، ومن وضع المواصفات التقنية، وما إذا كانت قد صيغت فعلاً بما يضمن المنافسة، أم أنها صُممت بطريقة تؤدي عملياً إلى حصر المشاركة بشركة معينة.

وبالرغم من الضجة التي أثيرت، تؤكد مصادر في إدارة المرفأ لـِ “المدن” أن دفتر الشروط “لن يتغيّر” في المناقصة الجديدة، وهذا ما يعني أن احتمال تكرار السيناريو نفسه لا يزال قائماً.

علماً أنه بحسب المعلومات فإن شركة الوزير لن تشارك في المناقصة المقبلة التي يعتزم مرفأ بيروت إطلاقها.

أزمة إدارة لا سيارات فقط

في الشكل، تبدو القضية مرتبطة بمناقصة سيارات. لكن في الجوهر، تكشف أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة المرافق العامة في لبنان، وحدود الفصل بين السلطة السياسية والمصالح التجارية الخاصة.

وحتى لو لم يكن هناك خرق قانوني صريح بالمعنى الضيق، فإن تضارب المصالح هنا يكاد يكون نموذجياً.

وفي بلد يعيش انهياراً مالياً واقتصادياً وإدارياً غير مسبوق، تبدو الحساسية تجاه هذا النوع من الملفات مضاعفة، خصوصاً أن الرأي العام بات أكثر تشكيكاً بأي علاقة تجمع السلطة السياسية بالمصالح الاقتصادية الخاصة.

ما بعد الانسحاب

في المحصّلة، أعلنت إدارة المرفأ أنها ستعيد إطلاق المناقصة مجدداً وفق الأصول القانونية. لكن الأسئلة الأساسية لا تزال معلّقة: هل ستُعدّل المواصفات التقنية لضمان مشاركة أوسع؟ هل ستُستبعد أي شركة مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بالوزير؟

وهل تكفي “القانونية الشكلية” لحماية الثقة العامة، في قضية تبدو سياسياً وأخلاقياً شديدة الالتباس؟

المؤكَّد أن قضية سيارات المرفأ تجاوزت حدود صفقة إدارية عادية، وتحولت إلى اختبار مبكر لشعارات “الإصلاح والشفافية” التي ترفعها السلطة. فالمشكلة في لبنان لم تكن يوماً فقط في مخالفة القانون، بل في استخدامه أحياناً لتبرير ما يتناقض مع أبسط معايير الحوكمة والنزاهة العامة.

مصدرالمدن - رنا عبود
المادة السابقةالصدي يبحث مع “IFC” خطة إنتاج الكهرباء على الغاز في لبنان
المقالة القادمةروسيا والصين تعيدان إحياء خط الغاز المتعثر… هل بدأت خريطة الطاقة العالمية بالتغيّر؟