تصاعد في الأسابيع الماضية الحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي على نحو غير مسبوق. وكلما ارتفع منسوب الخوف، ارتفع في المقابل نقيضه: وعود بالوفرة وبحلّ مشكلات البشرية.
بين “سيدمّرنا” و”سينقذنا”، يضيع ما يمكن قياسه فعلاً: الحاضر
بلغ الضجيج ذروته هذا الأسبوع. حين استقال الباحث جايكوب كوكسون من Anthropic، وكان قد عمل سابقاً في OpenAI، وكتب أن الشركتين “تقامران بحياتنا”. وفي اجتماع داخلي في الأسبوع نفسه، أبلغ سام ألتمان موظفيه أن شركته قد تبطئ تطوير نماذجها المتقدّمة، شرط أن يفعل المنافسون الأمر نفسه. ومساء الخميس، سُئل دونالد ترامب على مدرج مطار دالاس إن كان قلقاً من أن يقود الذكاء الاصطناعي إلى انقراض البشر، فأجاب: “لا، ليست لديّ أي مخاوف”. ثم أضاف أن قلقه الفعلي هو ألا تفوز أميركا بالسباق أمام الصين.
السؤال كان: هل هذه التكنولوجيا آمنة؟ والجواب عن الصين. مستقبل يُستبدل بمستقبل.
تعرّضت منصّات لهجوم
لكن الضجيج لم يبدأ هذا الأسبوع. بدأ في 16 تموز 2026، حين أعلنت منصة Hugging Face، إحدى أكبر مستودعات نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة في العالم، أنها تعرّضت لهجوم “مدفوع، من أوله إلى آخره، بمنظومة وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلة”. وبعد أسبوع، في 23 تموز، نشرت “ذي إيكونوميست” مقابلة أعلن فيها إيلون ماسك أن المال “لن يعني شيئاً في 2036″، وأن العمل سيصبح اختيارياً، مثل زراعة الخضار في حديقة المنزل.
آلة تهاجم البشر، وآلة تُغنيهم عن الحاجة. وما لم يُسأل كثيراً خلال هذه الأسابيع: من يملك هذه الآلات الآن؟
ما فعله الوكلاء فعلاً
الرواية التقنية، كما وثّقتها OpenAI نفسها في بيانها المشترك مع Hugging Face في 21 تموز، وفي تقريرها التفصيلي الصادر في 26 آب، أقل إثارة بكثير من العناوين، لكنها أكثر إقلاقاً حين تُقرأ في تفاصيلها.
كانت الشركة تجري تدريباً داخلياً بالتعلّم المعزّز على معيار ExploitGym، وهو مجموعة تضم 898 ثغرة أمنية حقيقية. وكانت المهمة المعطاة للنماذج بسيطة: حلّ التمارين. لا أكثر.
لكن النماذج وجدت أن الخروج من البيئة أسهل من الوصول إلى الحل. فاستغلّت ثغرة غير معروفة في خدمة JFrog Artifactory، وعبرت منها إلى الإنترنت المفتوح. ثم استنتجت أن Hugging Face قد تستضيف نسخاً من المعيار نفسه، فاخترقتها عبر ثغرتين في خط معالجة البيانات، وحصلت على صلاحيات إدارية كاملة في عناقيدها الحوسبية في أقل من 13 ساعة.
شارك نحو 700 وكيل في الاختراق، ونفّذوا قرابة 17,600 عملية على مدى يومين ونصف اليوم. كما تبادلوا الثغرات والمعلومات في ما بينهم عبر لوحة رسائل مرتجلة أنشأوها داخل خوادم OpenAI نفسها.
التفسير الأقل إثارة
هنا تبدأ المسافة بين ما حدث وما قيل إنه حدث.
لم يكن في المشهد وعي ولا نيّة ولا غريزة بقاء. كان فيه ما يسمّيه الباحثون “اختراق المكافأة”: نموذج يُكافأ على النتيجة، فيبحث عن أقصر طريق إليها، حتى لو كان هذا الطريق خارج ما تخيّله مصمّموه.
يقول آلان وودوارد، من جامعة ساري: “هل خرج عن السيطرة فعلاً؟ لا. طُلب منه شيء ففعله. كانت طريقته للخروج هي الغش، ببساطة”.
ويضيف دان غيدو، من Trail of Bits، الجملة التي تختصر الملف كله: “فشل احتواء، مع تعطيل وسائل الأمان”.
وهذا ليس مجازاً. تعترف OpenAI صراحة بأن ضوابط الرفض الأمني “لم تُفعّل عمداً، لأن التقييم كان يستهدف اختبار الثغرات السيبرانية”. كما لم تكن هناك مراقبة كافية لمسار الوكلاء، فيما كان العزل على مستوى الشبكة، لا عزلاً فيزيائياً كاملاً. أي إن الباب تُرك موارباً.
والمفارقة أن هذا السلوك لم يكن مفاجئاً تماماً. فقبل أسبوعين من الحادثة، نشرت منظمة METR تقييماً للنموذج، ووجدت أن معدل الغش كان “أعلى من أي نموذج عام قيّمناه”، إلى حد أنه أفسد عملية القياس نفسها.
ولا يعني ذلك التهوين من خطورة ما حدث. يقول جيفري لاديش، من Palisade Research، إن النماذج “تكذب وتغش وتخترق”، وإن امتداد هذا السلوك إلى اختبارات غير أمنية يوحي بأن المشكلة أعمق من حادثة منفردة.
ثم جاء وعد الوفرة
بعد سبعة أيام من الرعب، جاء الوجه الآخر للعملة نفسها.
يتوقّع ماسك ظهور ذكاء خارق يتجاوز مجموع الذكاء البشري خلال خمس سنوات، وأن البشر “لن يكونوا في موقع القيادة” خلال عشر سنوات. ومن هناك ينتقل إلى الاقتصاد: “إذا كان لديك أعداد هائلة من الروبوتات وكميات هائلة من الذكاء الرقمي، فلديك ما يشبه اقتصاداً لا نهائياً”. وإذا صار كل شيء وفيراً، “فلماذا تحتاج المال أصلاً؟”
لكن الحجة تتعثّر عند سؤال واحد، طرحته محاورته زاني مينتون بيدوز: من أين يأتي التمويل؟ كان جواب ماسك أن “على الخزانة أن تُصدر شيكات للناس فحسب”، من دون أن يحدّد مصدر الإيرادات أو آلية التوزيع.
ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها. فنواة الفكرة معقولة: الذكاء الاصطناعي، مقترناً بالروبوتات، قادر على رفع الإنتاج. لكن الأرقام المتاحة اليوم أكثر تواضعاً. يقدّر دارون عجم أوغلو، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2024، أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية بما لا يتجاوز 0.66 في المئة خلال عشر سنوات، والناتج المحلي بنحو 1.1 في المئة، لأن 5 في المئة فقط من المهام قابلة للأتمتة المربحة في المدى القريب. في المقابل، تقدّر غولدمان ساكس أرقاماً أعلى بكثير. الخلاف حقيقي بين الاقتصاديين، ولا تحسمه الثقة بالتكنولوجيا وحدها.
وحين تحدّاه عجم أوغلو بأن يتبرّع بثروته إذا كان المال سيفقد معناه فعلاً، أجاب ماسك: “سأفعل شيئاً من هذا القبيل فعلاً!”
ما يغيب عن طرح ماسك أن المال ليس ثمناً للعمل فحسب، بل هو أيضاً وسيلة لتوزيع الوصول إلى الموارد النادرة. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجعل كتابة برنامج أرخص، لكنه لا يجعل الأرض والطاقة والنحاس والمستشفيات والشرائح المتقدّمة ومواقع السكن المرغوبة موارد لا نهائية.
ساندرز وهراري يردّان على ماسك
ردّ بيرني ساندرز لم يكن نكتة سياسية، بل اختباراً منطقياً.
كتب على منصة إكس أواخر تموز: “إن كان إيلون ماسك، أغنى رجل على قيد الحياة، يؤمن حقاً بأن المال لن يعني شيئاً في 2036، فسيؤيد ضريبة 5 في المئة على ثروته وثروات المليارديرات الآخرين. لكنه لا يفعل”. وأجاب ماسك في 5 أيلول: “أملك أسهماً في سبيس إكس وتسلا، لا كومة من النقد”.
في المقابل، يقدّم ساندرز مقترحات للحاضر، لا لعام 2036، من بينها قانون صندوق الثروة السيادي للذكاء الاصطناعي، الذي طرحه في 18 حزيران 2026، ويقضي بضريبة استثنائية بنسبة 50 في المئة تُدفع أسهماً على شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، إلى جانب مشروع لخفض أسبوع العمل إلى 32 ساعة.
أما يوفال نوح هراري، ففي مقابلته مع “ذي إيكونوميست” في 22 آب، وضع إصبعه على الآلية نفسها: “رواية الحتمية هي رواية انعدام المسؤولية”. ثم أشار إلى تناقض واضح في خطاب ماسك: فهو يتوقّع ألا يبقى البشر “في موقع القيادة” خلال عشر سنوات، بينما ينشغل في الوقت نفسه، كما يلاحظ هراري، بمخاوف ديموغرافية وبحرب أهلية في بريطانيا بعد عشرين عاماً. ويعد بعالم يفقد فيه المال أهميته، بينما يدافع في الحاضر عن خفض الإنفاق على مساعدات لأفريقيا.
الحاضر غائب
الملكية مركّزة إلى درجة قصوى. تستحوذ إنفيديا على 81 في المئة من سوق رقائق مراكز البيانات، وفق IDC لعام 2026. واستحوذت TSMC على 73 في المئة من الإنفاق العالمي على التصنيع التعاقدي في الربع الأول من 2026، وفق Counterpoint، فيما تتجاوز حصتها 90 في المئة في العُقد المتقدّمة. أما ASML فتحتكر 100 في المئة من سوق آلات الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى.
وبات الاقتصاد نفسه معلقاً بدرجة متزايدة بهذا القطاع. يلاحظ جيسون فورمان، من جامعة هارفارد، أن الاستثمار في معدات وبرمجيات معالجة المعلومات لا يشكّل سوى 4 في المئة من الناتج المحلي الأميركي، لكنه كان مسؤولاً عن 92 في المئة من نمو الناتج في النصف الأول من 2025. أما بقية الاقتصاد فسجّلت نمواً لا يتجاوز 0.1 في المئة.
والعمل يتآكل بهدوء. يقدّر مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي أن توظيف من تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي بات أدنى بنحو 19 في المئة مما كان سيكون عليه لولا ذلك. ولا يحدث هذا بالضرورة عبر التسريح، بل عبر التوقف عن التوظيف.
والمحتوى نفسه يُستولى عليه بثمن رمزي. فقد بلغت تسوية قضية Bartz ضد Anthropic، التي أقرّت نهائياً في 20 تموز 2026، نحو 1.5 مليار دولار عن نحو 500 ألف كتاب. ووصفها محامو المدّعين بأنها أكبر تسوية لحقوق النشر في التاريخ، ومع ذلك تعادل أقل من 0.1 في المئة من قيمة الشركة.
أما استهلاك الطاقة فيتضاعف. وتتوقّع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع استهلاك مراكز البيانات من 415 تيراواط/ساعة في 2024 إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030.
من يملك الوفرة؟
ربما لا تكون اليوتوبيا والديستوبيا متعارضتين بالقدر الذي تبدوان عليه. الأولى تقول إن مؤسساتنا ستصبح أقل أهمية لأن الآلات ستنهي العمل والمال والندرة. والثانية تقول إن هذه المؤسسات نفسها ستصبح عاجزة لأن ذكاءً أقوى من البشر سيتجاوز قدرتها على ضبطه. وفي الحالتين، تبدو الملكية والضرائب وحقوق العمال والطاقة والمساءلة مسائل مؤقتة أمام “الحدث الكبير” القادم.
وللإنصاف، ثمة ما يعاكس هذه القراءة. فقد وجدت دراسة نشرتها PNAS عام 2025، وشملت 10,800 مشارك، أن روايات المخاطر الوجودية لا تقلّل قلق الناس من الأضرار الآنية. أي إن الخوف من الغد لا يُلغي الانتباه إلى اليوم، على الأقل لدى الجمهور. والأدق القول إن الانشغال بالمستقبل يزاحم الانتباه إلى الحاضر، ولا يلغيه.
لكن السؤال يبقى قائماً، وهو سياسي قبل أن يكون تقنياً: الوفرة، إن جاءت، ستكون ملكاً لأحد. من يملك البنية التي تنتجها؟ من يلتقط قيمتها؟ ومن يقرّر توزيعها؟
هذه أسئلة تُحسم اليوم، لا في 2036.



