الرئيسية اقتصاد دولی تضييق منافذ إيران: النفط، المال والطيران

تضييق منافذ إيران: النفط، المال والطيران

لا تبدو الضغوط الاقتصادية على إيران في مرحلتها الحالية مجرد استمرار للعقوبات التقليدية التي استهدفت صادرات النفط، وإنما تتجه تدريجيا إلى تضييق المنافذ التي تسمح لطهران بتحويل عائداتها إلى أموال قابلة للاستخدام، وتمويل تجارتها الخارجية، والحفاظ على خطوط النقل والحركة مع العالم. وبينما بقي النفط في قلب المواجهة، دخلت البنوك والطيران إلى دائرة الضغط، لتتشكل شبكة قيود تطال الموارد والقنوات التي تتحرك عبرها في الوقت نفسه.

وفي أحدث التطورات، أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في 23 سبتمبر/أيلول اتخاذ إجراءات إنفاذ صارمة بحق فروع بنك ملي إيران العاملة في الإمارات، ومنعها من إجراء أي معاملات مالية من وإلى إيران، بما في ذلك تمويل التجارة والتحويلات المالية.

وقال المصرف إن القرار جاء بعد عمليات تفتيش أظهرت مخالفات تتعلق بعدم الالتزام بالأنظمة والتشريعات والقرارات الرقابية، بما في ذلك متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح.

ويحمل القرار أهمية خاصة بسبب الدور الذي تؤديه الإمارات كمركز مالي وتجاري إقليمي، لكن من الضروري التمييز بين الأساس المعلن للإجراء الإماراتي وبين حملة العقوبات الأميركية على إيران. فأبوظبي قدمت القرار باعتباره إجراء رقابيا يستند إلى قوانينها ومتطلبات الامتثال المالي، وليس باعتباره جزءا معلنا من العقوبات الأميركية. ومع ذلك، يأتي في توقيت تتسع فيه الضغوط الدولية على القنوات المالية التي تستخدمها طهران.

وتحاول واشنطن، من جهتها، استهداف ما تعتبره شبكات مالية تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات والحصول على العملة الأجنبية. وتتحول المواجهة بذلك من سؤال يتعلق بقدرة إيران على بيع النفط إلى سؤال أكثر تعقيدا: كيف يمكنها تحويل عائدات التصدير، وإجراء المدفوعات، وتمويل الواردات، والحفاظ على شبكة شركات ووسطاء قادرة على العمل خارج النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة؟

ويكتسب هذا السؤال وزنا أكبر مع استمرار الاضطراب في حركة النفط عبر مضيق هرمز. فقد أفادت رويترز في الأول من سبتمبر بأن إيران أمضت نحو سبعة أسابيع من دون شحنات نفط خام ذات أهمية عبر المضيق، في تطور قلص أحد مصادر العملة الأجنبية الرئيسية للبلاد. كما أظهرت بيانات لاحقة أن حركة السفن التجارية عبر هرمز ظلت أقل كثيرا من مستويات ما قبل الحرب، إذ عبرت 17 سفينة للسلع الأولية خلال إحدى عطلات نهاية الأسبوع، مقابل 37 في الأسبوع السابق.

الضغط يتجه إلى إغلاق الحلقات التي تصل المورد الإيراني بالسوق، والإيراد بالنظام المالي، والاقتصاد بالعالم الخارجي

ولا يقتصر أثر تعطيل صادرات النفط على قطاع الطاقة نفسه. فكل برميل لا يصل إلى السوق يعني إيرادات أقل، وعملة أجنبية أقل، وقدرة أضيق على تمويل الاستيراد. وعندما تتزامن هذه الضغوط مع تشديد الرقابة على التحويلات والحسابات المصرفية، يصبح هامش المناورة أمام الشركات الإيرانية أكثر ضيقا، حتى إذا تمكنت طهران من العثور على مشترين أو طرق بديلة لتسويق بعض صادراتها.

أما الحلقة الثالثة في هذه السلسلة فتتمثل في الطيران. ففي الثامن من سبتمبر، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران إيرانية، إضافة إلى شركات واجهة ووسطاء أجانب ومسارات قالت واشنطن إن إيران تستخدمها للحصول على طائرات وتكنولوجيا حساسة. وحذرت الوزارة الشركات الأجنبية التي تقدم خدمات لشركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات من مخاطر التعرض للإجراءات الأميركية.

وبدأت آثار هذه الإجراءات تظهر في الحركة الجوية الإقليمية. وأفادت تقارير في 24 سبتمبر بأن جورجيا وأذربيجان علقتا رحلات لشركات طيران إيرانية، في وقت تواجه فيه شركات الطيران الإيرانية قيودا متزايدة على الخدمات الأرضية والتزود بالوقود والعمليات في مطارات خارجية. وفي المقابل، قالت شركة إيران إير إنها لم تتلق أوامر رسمية بوقف الرحلات إلى بعض دول الجوار، ما يعكس تفاوتا بين القيود المعلنة وبين وضع الرحلات على الأرض من دولة إلى أخرى.

وهنا تكتسب المعركة الجوية بعدا يتجاوز حركة المسافرين. فالطيران بالنسبة إلى إيران قناة لنقل الأشخاص والبضائع، والحصول على قطع الغيار والطائرات والخدمات الفنية، والحفاظ على شبكة من الاتصالات التجارية. ولذلك فإن تعطيل هذه القناة أو رفع كلفة تشغيلها يضيف طبقة جديدة إلى الضغوط المفروضة على الاقتصاد الإيراني.

وفي المحصلة، تتشكل أمام طهران ثلاث حلقات ضغط مترابطة: النفط بوصفه المصدر الأهم للعملة الأجنبية، والمال بوصفه الوسيلة لتحويل العائدات وتمويل التجارة، والطيران بوصفه إحدى قنوات الحركة الخارجية. ولا يعني ذلك أن هذه المنافذ أغلقت بالكامل؛ فإيران ما زالت تمتلك حدودا برية وشبكات تجارية مع دول الجوار، كما أن حجم تأثير القيود يختلف من دولة إلى أخرى ومن قطاع إلى آخر.

لكن الاتجاه العام يكشف انتقال العقوبات من استهداف سلعة أو شركة بعينها إلى محاولة تضييق الشبكة المحيطة بالاقتصاد الإيراني. فكلما أصبح بيع النفط أكثر صعوبة، وتحويل الأموال أكثر تعقيدا، وتشغيل الطائرات في الخارج أكثر كلفة، تقلصت مساحة المناورة التي تحتاجها طهران للحفاظ على تدفق التجارة والعملة الأجنبية.

وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن جولات العقوبات السابقة: المعركة لا تدور فقط حول ما تستطيع إيران تصديره، وإنما حول قدرتها على تحريك ما تصدره. ومن النفط إلى المال والطيران، يبدو أن الضغط يتجه إلى إغلاق الحلقات التي تصل المورد الإيراني بالسوق، والإيراد بالنظام المالي، والاقتصاد بالعالم الخارجي.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةهدنة التجارة تمنح ترمب وشي وقتاً إضافياً لتسوية الخلافات
المقالة القادمةالقرن الأفريقي يبني ممره النفطي عبر جيبوتي