في 27 آب الماضي، وجّه رئيس مجلس بلدية بيروت، إبراهيم زيدان، دعوة إلى أعضاء المجلس لعقد جلسة في 3 أيلول، تضمّن جدول أعمالها خمسة بنود تتعلق بالموافقة على العروض الدُّنيا لتلزيم أعمال طارئة، تشمل تنظيف المصافي والريغارات، وإصلاح البنى التحتية، وتعبيد وتزفيت الحفر، وصيانة الدرابزونات العامة، إضافة إلى تلزيم أعمال ريّ الأشجار والوسطيات والمُثلثات في بيروت.
لكن قبل ساعات قليلة من موعد الجلسة، وعندما سُئل زيدان عن الملفات، قال إن أياً منها لم يصل إلى أمانة سرّ مكتبه، رغم مرور أسبوع كامل على توجيه الدعوة. وبينما حمّل الإدارة مسؤولية عدم إرسال الملفات، لم تفلح محاولات إقناعه بإرجاء الجلسة، ولا سيما أن القانون يُلزِم رئيس المجلس بإرسال ملفات البنود المُدرجة وتفاصيلها إلى الأعضاء قبل 72 ساعة من موعد انعقاد الجلسة.
وبإصرار من زيدان، انعقدت الجلسة بحضور محافظ بيروت القاضي مروان عبود. واعتبر عدد من الأعضاء أن حضور المحافظ شكّل ضغطاً لتمرير الملفات من دون إتاحة المجال أمامهم للاطّلاع عليها ومناقشتها. واعترض عضو المجلس عماد فقيه، مشدّداً على عدم قانونية انعقاد الجلسة ومهدّداً بالانسحاب منها، وهو موقف أيّده فيه عدد من الأعضاء، قبل أن يتدخّل عبود لاحتواء الاعتراض.
في المقابل، رأى أعضاء آخرون ضرورة الحفاظ على نصاب الجلسة، التي وافقت، من خارج جدول الأعمال، على إصدار قرار استثنائي بإعادة التحاق عناصر فوجَي حرس وإطفاء مدينة بيروت الذين أُحيلوا على التقاعد، علماً أن هذا البند كان مُتفقاً عليه مُسبقاً بين أعضاء المجلس ووزارة الداخلية والبلديات، وكان ينتظر استكمال الإجراءات المتعلقة بتوقيع الوزارة على القرار السابق الصادر عن البلدية.
وأظهرت مُجريات الجلسة، وفق عدد من الأعضاء، تسرّعاً في البتّ في عدد من الملفات. ففي ملف التشجير، لم يكن الملف قد وصل من الإدارة، ومع ذلك انتقل المجلس إلى بحث عرض يتناسب مع السقف المالي المُحدّد للبلدية، من دون إحالته إلى هيئة الشراء العام، باعتبار أن قيمته تقلّ عن مليار و500 مليون ليرة. إلا أن تدقيق عدد من الأعضاء في العرض كشف أن المبلغ الوارد فيه لا يشمل ضريبة القيمة المضافة، رغم ورودها في العرض المُقدّم.
ولا تبدو هذه الواقعة تفصيلاً عابراً، بل واحدة من المؤشرات التي يراها أعضاء في المجلس دليلاً على استسهال البلدية في مقاربة حاجات العاصمة، ولا سيما لناحية آلية التلزيم نفسها. فثمة علامات استفهام حول تقسيم بيروت إلى 12 قسماً، بما يبقي قيمة كل تلزيم دون سقف المليار و500 مليون ليرة، وبالتالي خارج نطاق الإحالة إلى هيئة الشراء العام، فضلاً عن غياب آلية رقابة واضحة وفعّالة. وهي ثغرات تفتح الباب أمام اتفاقيات مشبوهة بين المتعهّدين وبعض المعنيين داخل البلدية. ففي ملف التشجير نفسه، تقدّمت شركتان بعروضهما، بالتنسيق مع رئيس البلدية، بعد استبعاد المؤسسة التي كانت قد فازت بالعرض السابق قبل إلغائه. وأثار الأمر اعتراض عدد من الأعضاء، ولا سيما أن أسعار المؤسسة الفائزة في المرة السابقة كانت قد كُشفت، بما أتاح للمؤسسات الأخرى معرفة الأسعار وتقديم عروض أدنى منها. وبعد أخذ ورد، وافق زيدان على عدم حصر تقديم العروض بالشركتين، وفتح المجال أمام مؤسسات أخرى للمشاركة.
إلا أن ما جرى بعد انتهاء الجلسة فتح فصلاً آخر من علامات الاستفهام. فقد قرّر زيدان طرح بند غير طارئ من خارج جدول الأعمال، يتعلق بطلب أحد متعهّدي الحفلات الغنائية، وصاحب شركة «Velvet Productionz»، أحمد عيتاني، الموافقة على استخدام أحد عقارات البلدية لإقامة حفل غنائي، علماً أنه سبق له، قبل عامين، أن استخدم عقاراً تابعاً للبلدية لإقامة حفل غنائي للفنان المصري عمرو دياب، من دون تسديد الرسوم المستحقة، قبل أن يعود لاحقاً إلى دفع مبلغ مالي ضئيل قياساً إلى قيمة استثمار العقار وإقامة الحفل.
وفي الطلب الجديد، حاول عيتاني، بحسب أعضاء في المجلس، تجاوز الإشكالية عبر تقديم الحفل على أنه فعالية لـ«DJ»، مع الإشارة في نهاية الطلب إلى احتمال أن يتضمن أيضاً حفلاً غنائياً. وهو ما أثار علامات استفهام لدى عدد من الأعضاء، الذين اعترضوا على الاستعجال في اتخاذ القرار، معتبرين أن ذلك قد يؤدّي إلى التفريط في حقوق البلدية المالية. غير أن الأكثر إثارة للانتباه كان إصرار بعض الأعضاء على تمرير الطلب، بغضّ النظر عن تفاصيله وقيمته المالية، تحت عنوان «تشجيع السياحة». وهو ما دفع معترضين إلى التساؤل عن خلفيات هذا الإصرار، وما إذا كانت هناك تفاهمات سابقة مع المتعهّد. وبعد جدل طويل تخلّله صراخ، قرّر زيدان إرجاء البحث في الملف.



