الرئيسية اقتصاد لبنان توزيع الخسائر بلا معايير

توزيع الخسائر بلا معايير

منذ بداية النقاش حول «قانون الفجوة المالية»، يجري التركيز على عدّة نقاط أساسية مثل كيف يمكن أن تُردّ الودائع؟ وهل هناك قدرة على ردّها في الجدول الزمني المُحدّد في القانون؟ بالإضافة إلى كلفة هذه العملية على الدولة ومصرف لبنان. غير أن هذا النقاش يغفل عن فكرة أساسية، وفق أي قواعد ستُوزَّع هذه الخسائر؟ لأن القانون، في نهاية المطاف هو آلية تُحدِّد كيفية التعامل مع الفجوة. وإذا لم تكن قواعد التوزيع ومعاييرها واضحة ومذكورة بدقّة وتراعي المعايير المالية العالمية، كما يطلب صندوق النقد الدولي، يبقى قانون «الفجوة» أو «الانتظام المالي» ناقصاً.

المعيار الدولي في هذا المجال واضح إلى حدّ يصعب الالتباس فيه. ففي ورقة نشرها مجلس الاستقرار المالي بعنوان «السمات الرئيسية لأنظمة التسوية الفعّالة للمؤسسات المالية»، تُحدَّد قاعدة أساسية هي أنه يجب أن تُمارَس صلاحيات التسوية بما يحترم تراتبية الدائنين. أي إن هناك هرماً قانونياً لتحمّل الخسائر، يبدأ عادةً بالمساهمين، ثم ينتقل إلى أدوات رأس المال والديون الثانوية، ثم إلى الديون الأعلى ضمن الهرم.

الورقة نفسها تُكرِّس مبدأً أكثر حساسية، وهو «لا دائن أسوأ حالاً من التصفية». أي إنه حتى لو استُخدمت أدوات استثنائية في إعادة الهيكلة، يجب أن يحصل الدائن، كحدّ أدنى، على ما كان سيحصل عليه لو جرت تصفية المصرف وفق قانون الإفلاس العادي. وإذا جرى تحميله خسارة أكبر، فله حق المطالبة بالتعويض. هذا المبدأ وُضع تحديداً لمنع إعادة توزيع الخسائر بطريقة استنسابية تحت عنوان «الاستقرار».

في الصيغة المطروحة من قانون الفجوة، لا توجد هرمية مُفصّلة ومُلزِمة لتحمّل الخسائر، ولا نصٌّ قاطع يُلزِم بشطب حقوق المساهمين بالكامل قبل المساس بأي دائن آخر على سبيل المثال. وليس هناك تحديد دقيق لتسلسل تحميل الخسائر بين أدوات رأس المال التنظيمي، والديون الثانوية، والديون العليا، والودائع غير المضمونة. ولا توجد آلية واضحة لضمان تطبيق مبدأ «لا دائن أسوأ حالاً من التصفية» مع مسار تعويض مُحدّد.

أي قانون يترك هامشاً واسعاً للسلطة التنفيذية أو للهيئات المعنية لتقدير «مَن يتحمّل ومتى»، يفتح الباب لإعادة توزيع الخسائر من دون معايير اقتصادية واجتماعية. وقد أثبتت التجارب الدولية أن الغموض في التراتبية هو المدخل الأول للطعون القضائية ولمخاطر التعويض، أي لتحويل جزء من الخسائر لاحقاً إلى الدولة والمجتمع. ففي أزمة قبرص عام 2013، جرى تحميل كبار المودعين في «Bank of Cyprus» و«Laiki Bank» خسائر كبيرة عبر تحويل جزء من ودائعهم إلى أسهم. ورغم أن العملية استندت إلى منطق الـ bail-in، تقدّم عدد كبير من المودعين بدعاوى أمام المحاكم القبرصية وكذلك أمام المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي، بحجة انتهاك حقوق الملكية وسوء توزيع الأعباء.

المحاكم الأوروبية في النهاية رفضت الجزء الأكبر من الدعاوى، لكنّ المسار القضائي استمر سنوات، وخلق حالة عدم يقين قانوني طويلة. ما تثيره هذه المسألة، أن أي شعور بعدم اتّساق المعاملة أو تجاوز واضح للتراتبية يفتح الباب أمام موجة طعون واسعة ومُكلِفة سياسياً ومالياً.

وفي هذا السياق، تقدّم ورقة صندوق النقد الدولي الصادرة عام 2020 بعنوان «حجج تفضيل المودعين»، إطاراً بالغ الدلالة. فالورقة تؤكّد أن ترتيب الدائنين يجب أن يكون واضحاً ومكتوباً في القانون نفسه، وأن تكون المعاملة في حالتي التصفية وإعادة الهيكلة مُتّسقة، لأن أي اختلاف كبير في المعاملة يزيد من مخاطر الدعاوى القضائية ويهدّد الاستقرار القانوني للنظام بأكمله.

وتشير الورقة إلى أن التفضيل القانوني لبعض الودائع أو لبعض فئات الدائنين ليس قراراً سياسياً طارئاً يُتخذ في لحظة الأزمة، بل بنية قانونية مُسبقة تحدّد سلفاً من يتحمّل الخسارة أولاً ومن يليه. أي إن حماية صغار المودعين، مثلاً، لا تكون عبر وعود عامة، بل عبر تعديل صريح في هرمية المطلوبات.

في الحالة اللبنانية، يجري الحديث عن حماية صغار المودعين، لكن من دون بناء هرم قانوني واضح يُلزِم بشطب حقوق المساهمين وأدوات رأس المال التنظيمي والديون الثانوية بالكامل قبل أي مساس بفئات أخرى. فهل جرى، مثلاً، استنفاد فعلي لأدوات رأس المال؟ وهل حُدّد بوضوح ترتيب الديون بين ما هو ثانوي وما هو عادي؟ وهل هناك نص صريح يمنع القفز فوق فئة لم تُستنفد خسارتها بعد؟ غياب هذه التفاصيل يحوّل مبدأ العدالة في توزيع الخسائر إلى شعار شعبوي.

ثمّة مسألة أخرى لا تقلّ خطورة، هي الاتساق بين التصفية وإعادة الهيكلة. في أدبيات المؤسسات المالية الدولية، يُعتبر هذا الاتساق شرطاً أساسياً لتفادي مخاطر الطعون. فإذا جرى في إعادة الهيكلة تحميل فئة من الدائنين خسارة أكبر مما كانت ستتحمّله في حال التصفية العادية، فإن ذلك يفتح الباب لمطالبات بالتعويض. وهذا تحديداً ما يحذّر منه مجلس الاستقرار المالي في ورقته المذكورة، لأن تحميل الخسارة بطريقة غير متّسقة قد يؤدي إلى نزاعات قانونية طويلة ومُكلِفة.

في قانون الفجوة المالية المطروح، لا نجد آلية واضحة لاحتساب «ما كان سيحصل عليه الدائن في حال التصفية» ومقارنته بما يحصل عليه في إعادة الهيكلة. ولا نجد مساراً مؤسّسياً مستقلّاً لتقدير هذه الفروقات. أي إن مبدأ «لا دائن أسوأ حالاً من التصفية» يبقى أقرب إلى مفهوم نظري منه إلى ضمانة قابلة للتطبيق.

المفارقة أن هذه الضمانة وُضعت أصلاً لحماية النظام من نفسه. لأنها تمنع السلطة، في لحظة الضغط السياسي، من تحميل الخسائر لفئة أضعف أو أقل قدرة على الدفاع عن نفسها. ومن دون هذه الضمانة، يصبح توزيع الخسائر ساحة تفاوض سياسي، لا تطبيقاً آلياً لقواعد مكتوبة. وفي لبنان قد ترجّح هذه الضغوط كفّة المصارف وأصحابها، بحيث يُصبِح القانون مخرجاً لحماية هؤلاء بدلاً من أن يُشكّل حماية للفئات الأضعف.

الأخطر أن الغموض في التراتبية لا يهدّد فقط العدالة في توزيع الخسائر، بل يهدّد الاستقرار المالي نفسه. لأن أي مستثمر أو مودع كبير أو حامل سندات سيأخذ في الحسبان احتمال إعادة توزيع الخسائر استنسابياً في المستقبل. وهذا يعني ارتفاع كلفة التمويل، أو إحجاماً عن ضخّ أموال جديدة في القطاع، أو طلب علاوة مخاطر إضافية في معدّلات الفائدة لتعويض عدم اليقين القانوني.

في الولايات المتحدة، حُسم الجدل منذ عقود عبر تكريس «تفضيل الودائع» في القانون الفدرالي، حيث أصبح المساهمون هم من يتحملون الخسائر أولاً، ثم الديون الثانوية (subordinate debt)، ثم الودائع، ثم سائر الديون غير المضمونة. لا يُترك الترتيب لاجتهاد لحظة الانهيار. وفي الاتحاد الأوروبي، بعد أزمة 2008، فُرضت هرمية صارمة عبر «توجيهات إنقاذ البنوك وحلّها» تبدأ بتحميل الخسائر للأسهم وأدوات رأس المال، ثم الديون الثانوية، ثم الديون العليا، مع تفضيل واضح لبعض فئات الودائع. هذه القواعد قد تكون قاسية على بعض المستثمرين، لكنها واضحة. ووضوح القاعدة هو ما يسمح بتسعير المخاطر مُسبقاً ويمنع إعادة توزيعها سياسياً بعد وقوع الأزمة. أمّا الغموض، فيحوّل الخسارة إلى ساحة تفاوض ويُبقي باب نقلها لاحقاً إلى الدولة مفتوحاً.

في الحالة اللبنانية، المشكلة ليست فقط في حجم الفجوة، بل في طبيعة النظام الذي أنتجها. وإذا كان الهدف هو إعادة بناء القطاع المصرفي، فلا يمكن القيام بذلك على أساس توزيع غير مُحدّد المعالم للخسائر. إعادة الهيكلة الحقيقية تبدأ بشطب صريح لرؤوس الأموال حيث يجب، وبترتيب قانوني لا لبس فيه لتحمّل الخسائر، وبضمانات واضحة تمنع تحميلها لفئات لم يحن دورها في الهرم.

من دون ذلك، يصبح قانون الفجوة المالية إطاراً فضفاضاً يشرعن توزيعاً مرناً للخسائر، بدل أن يفرض توزيعاً عادلاً ومُسبق التحديد لها. والفرق بين الاثنين ليس تقنياً. إنه الفرق بين قانون يقيّد السلطة وقانون يوسّع هامشها.

في النهاية، جوهر المشكلة لا يقع في من يتحمّل الخسارة فحسب، بل وفق أي قواعد تُحمَّل. وإذا كانت المعايير الدولية واضحة في هذا المجال، فإن أي انحراف عنها أو أي غموض في ترجمتها إلى نص قانوني مُلزِم، يبقى نقطة ضعف بنيوية في أي محاولة لإعادة بناء الثقة. وقانون الفجوة المالية، بصيغته الحالية، لا يقدّم هذه القواعد بوضوح كافٍ.

مصدرجريدة الأخبار - ماهر سلامة
المادة السابقة«ما خلّونا» يعود إلى القوات: خطّة صدّي للخروج من الطاقة
المقالة القادمةرفع الفائدة الأميركية يضغط على الاقتصاد اللبناني فحيلي: الدولرة تنقل تداعيات التشديد النقدي مباشرة إلى لبنان